24 نيسان: سيفو ليس ذكرى… بل محاكمة مفتوحة للتاريخ
في الرابع والعشرين من نيسان، لا تعود الذاكرة مجرد استحضارٍ عاطفي، بل تتحول إلى محكمةٍ أخلاقية كبرى، يُستدعى إليها التاريخ شاهداً، ويُستجوب فيها الضمير الإنساني على صمته الطويل. هذا اليوم ليس تاريخاً عابراً، بل ندبة حيّة في جسد سورية الطبيعية، حيث امتزجت دماء السريان والآشوريين والأرمن واليونان الاورثوذوكس في ملحمة ألمٍ واحدة، عنوانها: “سيفو”… السيف الذي أراد أن يختصر الوجود، ففجّر في المقابل إرادة البقاء.
هنا، لا نتحدث عن الماضي بوصفه صفحة أُغلقت، بل عن جريمة مستمرة بأشكال أخرى: بالإنكار، بالتجاهل، وبإعادة إنتاج القتلة في صيغٍ سياسية جديدة. لأن المجازر التي لا يُعترف بها، لا تموت… بل تتحول إلى بذورٍ لمجازر لاحقة.
سيفو: حين حاول السيف اقتلاع الجذور
لم تكن مجازر بدايات القرن العشرين حادثة عشوائية، ولا فوضى حربٍ عابرة، بل كانت مشروعاً منظّماً لإعادة تشكيل الجغرافيا على حساب الإنسان. في طور عابدين، ماردين، ديار بكر، وسهول نينوى، لم يُستهدف الأفراد فقط، بل استُهدفت الهوية بكاملها: اللغة، الكنيسة، الذاكرة، والوجود التاريخي.
كان الهدف واضحاً:
إفراغ الأرض من أصحابها، وقطع الامتداد الحضاري الذي جعل من هذه المنطقة إحدى أقدم الجذور الحيّة للحضارة الإنسانية.
لكن ما لم يدركه القتلة آنذاك، أن السيف، مهما بلغ بطشه، يعجز عن قتل المعنى. فالشعوب التي تُذبح لأنها “هي”، لا تموت… بل تتحول إلى قضية.
الإنكار: الجريمة المستمرة بصمتٍ دولي
إن أخطر ما في سيفو ليس فقط ما حدث، بل ما تلاه.
فالعالم الذي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، وقف طويلاً في موقع المتفرج، بل الشريك بالصمت. وهنا تكمن الحقيقة الصادمة:
الإنكار ليس موقفاً سياسياً… بل امتدادٌ مباشر للجريمة.
حين يُطلب من الضحية أن تنسى، يُطلب منها أن تموت مرةً ثانية.
وحين يُساوى بين الجلاد والضحية تحت شعارات “المصالحة” الفارغة، تُشرعن المأساة وتُعاد صياغتها كقدرٍ لا كجريمة.
لذلك، فإن معركة الاعتراف ليست ترفاً خطابياً، بل هي خط الدفاع الأول عن الحقيقة. لأن التاريخ الذي يُزوّر، يتحول إلى سلاحٍ في يد القتلة الجدد.
وحدة الدم: من سيفو إلى الأرمن إلى الطوائف الأخرى
لم تكن المجازر متفرقة، بل كانت سلسلة مترابطة في سياق واحد.
الدم الذي سُفك في القرى السريانية، هو ذاته الذي سال في طرقات الأرمن، وهو ذاته الذي دفع طوائف أخرى إلى المنافي.
هذه ليست روايات متوازية، بل قصة واحدة بأسماء متعددة.
قصة شعوبٍ وُضعت أمام خيارين:
إما التلاشي… أو الشهادة.
فاختارت الشهادة، وكتبت بدمها حقيقةً لا يمكن محوها:
أن الأرض التي تنبت هذا التنوع، لا يمكن أن تُختزل بهويةٍ قسرية دون أن تنفجر من الداخل.
الذاكرة كفعل مقاومة
الذاكرة هنا ليست بكاءً على الأطلال، بل فعل مقاومة واعٍ.
أن نتذكر يعني أننا نرفض أن يتحول الضحايا إلى أرقام، وأن نُسقط من حسابنا تلك اللحظة التي حاول فيها العالم أن ينسى.
الذاكرة هي السلاح الوحيد الذي لا يمكن مصادرته.
هي الامتداد الذي يجعل من الشهداء حضوراً دائماً، لا مجرد أسماء في كتب.
الذاكرة التي تُصان، تتحول إلى قوة.
والذاكرة التي تُهمَل، تتحول إلى خيانة.
لذلك، فإن إحياء 24 نيسان ليس طقساً سنوياً، بل تجديدٌ للعهد:
أن تبقى الحقيقة حيّة، مهما طال زمن التزوير.
من الماضي إلى الحاضر: حين تتكرر المأساة بأقنعة جديدة
من يظن أن سيفو انتهى، لا يقرأ الحاضر جيداً.
فالأرض ذاتها التي شهدت المجازر، ما زالت تعيش صراعاتٍ تهدد وجود مكوناتها الأصيلة.
والسياسات التي قامت على الإقصاء والتطهير، لم تختفِ… بل تبدلت أدواتها.
في سورية الطبيعية، لا يزال الصراع على الهوية قائماً،
ولا تزال القوى التي ترى في التنوع تهديداً، تعمل على تفكيكه أو تهميشه.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
هل تعلم العالم شيئاً من سيفو؟ أم أنه يكرر الصمت ذاته، ولكن بلغةٍ أكثر حداثة؟
تحية لا تنحني… بل ترفع الرأس
في هذا اليوم، لا نقف لنرثي فقط، بل لنعلن استمرار الحياة.
الأرواح التي صعدت، لم تترك خلفها فراغاً، بل تركت إرثاً من الصمود.
نحن لا نحيي الموتى…
نحن نحيي أنفسنا بهم.
نحيي اللغة التي بقيت،
والصلاة التي لم تنكسر،
والجذور التي رفضت الاقتلاع.
هذا البقاء، بحد ذاته، هو هزيمةٌ متأخرة للسيف.
الحق لا يشيخ… والعدالة لا تسقط بالتقادم
من سيفو إلى اليوم: المنطق ذاته… وإن تبدّلت الرايات
ما ارتُكب في سيفو كان جريمةً موصوفة في ظل السلطنة العثمانية، هدفها اقتلاع مكوّناتٍ أصيلة من هذه الأرض. واليوم، لا يحتاج المشهد إلى كثير تفسير: انتهاكاتٌ وأعمال عنفٍ تطال علويين ودروزاً وأكراداً، ضمن صراعٍ تتداخل فيه مشاريع النفوذ، ويبرز فيه الدور التركي بثقله العسكري والسياسي في أكثر من ساحة داخل سورية الطبيعية.
هذه ليست مصادفاتٍ معزولة، بل مسارٌ خطير يفتح الباب أمام منطق الإقصاء نفسه: تهميش، تهجير، وكسر للتوازن التاريخي الذي قام عليه نسيج هذه البلاد. قد تتبدّل الشعارات، لكن النتيجة واحدة: دفع المكوّنات إلى حافة الخوف على وجودها.
وفي الجغرافيا ذاتها الممتدة من الألم، لا يمكن فصل ما يجري عن فلسطين، حيث يعيش الشعب الفلسطيني، مسلمين ومسيحيين، تحت ثقل تهجيرٍ متواصلٍ منذ عقود، يتجدد بأشكالٍ مختلفة من القمع، وتضييق الحياة، ومحاولات كسر البقاء في الأرض. في جنوب سورية الطبيعية كما في شمالها، يتكرّس منطقٌ واحد: إعادة تشكيل الإنسان عبر الضغط، وإعادة تشكيل الأرض عبر القوة.
ما يجمع هذه الساحات المختلفة، ليس وحدتها الجغرافية فقط، بل وحدة المعنى:
محاولات مستمرة لإخضاع الشعوب أو دفعها إلى الهامش، وكأن التاريخ يُعاد كتابته بالقوة لا بالعدالة.
لكن ما لا يُقال في غرف القرار، تقوله الأرض بوضوح:
سورية الطبيعية ليست فراغاً يُعاد تشكيله بالقوة، ولا شعوبها مادةً لمشاريع السيطرة.
مكوّنات الشعب السوري، التي واجهت عبر التاريخ محاولات اقتلاعٍ وإلغاء، لن تقف متفرّجة أمام إعادة إنتاج المأساة.
سيببقى 24 نيسان أكثر من ذكرى.
سيبقى اتهاماً مفتوحاً في وجه كل من صمت، وكل من أنكر، وكل من حاول دفن الحقيقة.
لأن القاعدة التي أثبتها التاريخ واضحة:
الجرائم قد تُؤجل محاسبتها… لكنها لا تُلغى.
والشعوب قد تُستهدف… لكنها لا تُمحى.
في هذا اليوم نقولها بوضوح:
إن السيف قد يجرح الجسد، لكنه يعجز عن كسر الإرادة.
وإن الليل مهما طال، لا يستطيع أن يمنع الفجر من الولادة.
الرحمة للشهداء… العدالة للضحايا… والخلود لذاكرةٍ تقاوم النسيان وتنتصر للحقيقة.
هذه الأرض لم تكن يوماً لقمةً سائغة… ولن تكون..
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي