هدنة على فوهة القرار: لبنان بين فخ التسوية وإرادة الصمود…قراءة في لحظة 23 نيسان 2026

هدنة على فوهة القرار: لبنان بين فخ التسوية وإرادة الصمود…قراءة في لحظة 23 نيسان 2026

 

Telegram

د. نبيلة عفيف غصن

 

مقدمة: حين تتحول الهدنة إلى امتحان وجودي

 

في لحظات التحولات الكبرى، لا تكون الوقائع مجرد أحداث عابرة، بل تتحول إلى مفاصل تاريخية تُعاد عندها صياغة الكيانات وتُختبر فيها الإرادات. وما يعيشه لبنان بتاريخ 23 نيسان 2026 ليس مجرد هدنة عسكرية عابرة، بل هو لحظة مكثفة تختزل صراعاً على هوية القرار، وعلى تعريف السيادة، وعلى مستقبل التوازنات في هذه البقعة الحساسة من سورية الطبيعية.

فالهدنة المؤقتة التي أُعلنت لمدة عشرة أيام لم تأتِ بوصفها استراحة لالتقاط الأنفاس، بل بدت أقرب إلى مختبر سياسي–استراتيجي تُجرّب فيه القوى الدولية أدواتها الجديدة لإعادة تشكيل المشهد اللبناني. وهنا، لا يعود السؤال: هل تتوقف الحرب؟ بل يصبح السؤال الأخطر: بأي ثمن تتوقف؟ ولصالح من تُعاد صياغة المرحلة القادمة؟

 

أولاً: الهدنة كمنصة للتفاوض المباشر — كسر المحظور أم تأسيس المسار؟

للمرة الأولى منذ عقود، شهدت هذه الهدنة (التي بدأت منتصف ليل الجمعة 17 نيسان) كسر المحرمات الدبلوماسية:

اجتماع واشنطن لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي عابر، بل شكّل سابقة سياسية ذات دلالات عميقة. اللقاء المباشر بين السفيرة اللبنانية ندى معوض والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، برعاية وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، لم يكن ليحدث لولا وجود إرادة دولية واضحة لفرض مسار تفاوضي مباشر، يتجاوز كل القنوات التقليدية التي حكمت الصراع لعقود.

هذا اللقاء، في توقيته ومضمونه، يفتح الباب أمام قراءة أكثر خطورة: هل نحن أمام تحويل التفاوض من حالة استثنائية إلى قاعدة دائمة؟ وهل يُراد للبنان أن ينتقل من موقع “الاشتباك المنضبط” إلى موقع “الالتزام التعاقدي” مع العدو؟

أما الفخ المحتمل، فهو يتجلى في طبيعة الهدنة نفسها. عشرة أيام فقط ليست مدة لالتقاط الأنفاس، بل مدة كافية لخلق حالة ضغط قصوى. التهديد الضمني بالعودة إلى مشاهد “الأربعاء الأسود” (8 نيسان) يجعل من الزمن أداة ابتزاز سياسي، حيث يتحول القرار اللبناني إلى قرار تحت الإكراه، لا إلى خيار سيادي حر.

وهنا تكمن الخطورة: حين يصبح التفاوض نتيجة الخوف، لا نتيجة التوازن، تتحول الاتفاقيات إلى قيود دائمة.

 

ثانياً: خطاب “استعادة القرار” مقابل “توازنات الميدان” — صراع السرديات

في قلب هذه الهدنة، لا يدور الصراع فقط في الميدان، بل في اللغة التي تُستخدم لتفسير ما يجري.

رؤية السلطة، بقيادة الرئيس جوزيف عون، تنطلق من خطاب يقول إن لبنان “استعاد قراره السيادي”، وأن المرحلة الحالية هي انتقال طبيعي نحو تثبيت اتفاقيات دائمة تحمي الحقوق. هذا الخطاب يستند إلى فرضية أن الإنهاك المتبادل سيدفع الجميع إلى تسوية، وأن الواقعية السياسية تفرض استثمار اللحظة قبل انفلاتها.

لكن هذه القراءة، رغم ما فيها من منطق براغماتي، تتجاهل حقيقة مركزية: أن التوازن الذي يُبنى على الخسائر يختلف جذرياً عن التوازن الذي يُبنى على الردع.

في المقابل، يرى الميدان، ممثلاً بمحور المقاومة، أن ما يجري ليس انتقالاً إلى السلام، بل محاولة أمريكية لإعادة إنتاج الهزيمة الإسرائيلية بوسائل دبلوماسية. فحين فشلت القوة العسكرية في فرض شروطها، دخلت الدبلوماسية لتقوم بالمهمة نفسها، ولكن بغطاء “الشرعية الدولية”.

وهنا يظهر جوهر الصراع:

هل نحن أمام تسوية تُكرّس التوازن، أم أمام تسوية تُفرّغ هذا التوازن من مضمونه؟

إن الحديث عن “ترتيبات أمنية” أو “مناطق عازلة” ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو إعادة تعريف للسيادة نفسها. فالدولة التي تُقيّد قدرتها الدفاعية تحت ضغط التهديد، لا تكون قد استعادت قرارها، بل تكون قد أعادت تعريفه وفق شروط الآخرين.

 

ثالثاً: تقاطع الأزمات — من الجنوب إلى هرمز: لبنان في قلب الصفقة الكبرى

لا يمكن قراءة ما يجري في لبنان بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع، وخصوصاً ما يتعلق بـ مضيق هرمز، الذي يشكل الشريان الحيوي للطاقة العالمية.

التسريبات التي تتحدث عن “صفقة كبرى” تربط بين إنهاء الحرب في لبنان وإعادة فتح هرمز، تضعنا أمام معادلة خطيرة:

هل يتحول لبنان إلى ورقة تفاوضية في لعبة الأمم؟

في هذا السياق، لا يعود الجنوب مجرد جبهة عسكرية، بل يصبح جزءاً من معادلة الطاقة العالمية. وهنا تكمن المفارقة القاسية:

قد يُطلب من لبنان تقديم تنازلات سيادية، ليس لحل مشكلته، بل لحل أزمة عالمية لا علاقة مباشرة له بها.

السلطة اللبنانية، التي تحاول التموضع في موقع “الوسطية” القريبة من الغرب، تجد نفسها أمام اختبار صعب:

هل تستطيع الحفاظ على توازنها دون أن تنزلق إلى توقيع اتفاق يُقيّد مستقبل البلاد لعقود؟

إن أخطر ما في هذه اللحظة هو أن القرارات الكبرى قد تُتخذ تحت عنوان الضرورة الدولية، لا المصلحة الوطنية.

 

رابعاً: العقبات الداخلية — بين صمام الأمان واحتمال الانفجار

إذا كانت الضغوط الخارجية تدفع نحو التسوية، فإن الداخل اللبناني يشكل ساحة مقاومة موازية لهذا المسار.

الثنائي الشيعي، ومعه قوى وازنة كوليد جنبلاط، ينظرون بعين الريبة إلى أي اتفاق قد يُعيد إنتاج تجربة 17 أيار بصيغة جديدة. هذه الحساسية ليست مجرد موقف سياسي، بل هي نتاج ذاكرة تاريخية تعتبر أن أي سلام منفرد خارج توازنات القوة هو مشروع انفجار مؤجل.

هذا الرفض لا يعني بالضرورة رفض التسوية من حيث المبدأ، بل رفض التسوية المختلة.

وهنا تظهر معادلة دقيقة:

الداخل اللبناني، رغم انقساماته، قد يشكل صمام أمان يمنع الانزلاق نحو تنازلات خطيرة. لكنه في الوقت نفسه، إذا لم تُحسن إدارة التباينات، قد يتحول إلى عنصر تفجير داخلي يعيد البلاد إلى مربع الفوضى.

 

خامساً: بين الفخ والفرصة — هل يمتلك لبنان القدرة على المناورة؟

الهدنة الحالية هي، بكل وضوح، هدنة قلقة.

هي فخ إذا استُخدمت لانتزاع تنازلات سيادية تحت ضغط التهديد. وهي فرصة إذا استطاع لبنان استثمار اللحظة لفرض شروطه، لا القبول بشروط الآخرين.

لكن تحويلها إلى فرصة يتطلب ما هو أكثر من خطاب سياسي. يتطلب:

وضوحاً في تعريف السيادة، لا تلاعباً بمصطلحاتها

تماسكاً داخلياً يمنع استخدام الانقسامات كأداة ضغط

قدرة على التفاوض من موقع قوة، لا من موقع خوف

 

الخاتمة: القرار الذي سيكتب المرحلة

لبنان اليوم لا يقف أمام خيار بين الحرب والسلام، بل أمام خيار أعمق:

هل يكون طرفاً في صياغة مستقبله، أم مجرد ساحة تُدار فيها الصفقات؟

الهدنة ليست نهاية معركة، بل بداية معركة من نوع آخر — معركة الإرادة والوعي والقدرة على قراءة ما وراء السطور.

أما السؤال الجوهري، الذي سيحسم كل شيء، فيبقى:

هل تمتلك السلطة الحالية، بقيادة جوزيف عون وحكومة نواف سلام، الغطاء الشعبي والسياسي الكافي لتوقيع اتفاق دائم، في ظل وجود سلاح المقاومة ورفض واسع لأي شكل من أشكال التطبيع؟

الجواب لن يُكتب في بيانات رسمية، بل في ميزان القوة الحقيقي:

في الشارع، في الميدان، وفي قدرة اللبنانيين على التمييز بين السلام الذي يحميهم، والاستسلام الذي يُقيّدهم.

 

الهوامش والمراجع

تصريحات وزارية ودبلوماسية متداولة حول لقاء واشنطن – نيسان 2026.

بيانات رسمية حول الهدنة المؤقتة ومدتها (10 أيام) – مصادر إعلامية دولية.

تقارير عن أحداث “الأربعاء الأسود” (8 نيسان 2026) – تغطيات ميدانية.

تحليلات مراكز أبحاث حول فشل الردع الإسرائيلي في الجنوب اللبناني.

تسريبات دبلوماسية غير مؤكدة حول ربط ملف لبنان بمضيق هرمز.

مواقف رئيس المجلس نبيه بري وتصريحات وليد جنبلاط حول أي اتفاق محتمل.

دراسات حول اتفاق 17 أيار وانعكاساته التاريخية على لبنان.

تحليلات حول تحولات السلطة في سوريا الشام وصعود الجولاني في دمشق.

تقارير دولية حول أمن الطاقة العالمي وأهمية مضيق هرمز.

قراءات سياسية حول مستقبل القرار 1701 واحتمالات تعديله.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram