كتبت الدكتورة رشا ابو حيدر
في ظلّ تصاعد النزاعات المسلحة في مناطق متعددة من العالم، لم يعد أثر الحرب يقتصر على الخسائر البشرية أو تدمير البنى التحتية، بل بات يمتد ليطال أحد أهم عناصر الوجود الإنساني، وهو التراث الحضاري والثقافي الذي يشكّل ذاكرة الشعوب وهويتها عبر التاريخ.
لقد أولى القانون الدولي الإنساني أهمية خاصة لحماية هذا التراث، حيث نصّت اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح على التزام الدول الأطراف بعدم استهداف أو تدمير المواقع الأثرية والمباني التاريخية والمتاحف والمعالم ذات القيمة الحضارية، إلا في حالات الضرورة العسكرية القصوى. كما جاء البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 ليعزز هذه الحماية، مؤكّدًا على حظر توجيه الهجمات إلى الممتلكات الثقافية. وفي السياق ذاته، اعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أن تعمّد استهداف المباني ذات القيمة التاريخية أو الدينية أو التعليمية يُعدّ جريمة حرب.
إن هذا الإطار القانوني يوضح أن تدمير الحضارات لا يمكن اعتباره مجرد نتيجة جانبية للنزاعات، بل هو فعل محظور قانونًا، يرقى في كثير من الحالات إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة التي تستوجب المساءلة الدولية.
وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال ما تعرّض له الجنوب اللبناني، ولا سيّما مدينة بنت جبيل، من دمارٍ واسعٍ طال الحجر والبشر على حدّ سواء. فهذه المنطقة التي تختزن في طيّاتها تاريخًا اجتماعيًا وثقافيًا متراكمًا، لم تكن مجرّد ساحة مواجهة عسكرية، بل مسرحًا لضرب عناصر الذاكرة الجماعية. إن استهداف الأحياء السكنية القديمة، وتدمير البيوت التي تعكس نمط العيش التقليدي، لا يُفقد الناس مأواهم فحسب، بل يقتلع جزءًا من هويتهم المتجذّرة في المكان. وعليه، فإن ما يحدث في الجنوب لا يمكن عزله عن مفهوم تدمير التراث غير المادي، الذي يشمل أنماط الحياة والتقاليد والروابط المجتمعية، وهو ما يجعل من هذا الدمار مسألة تتجاوز الخسارة المادية لتلامس جوهر الوجود الإنساني ذاته.
ولا يمكن قراءة هذا الواقع دون التوقف عند المسؤوليات المباشرة وغير المباشرة عمّا جرى، حيث تبرز الانتهاكات المنسوبة إلى إسرائيل في سياق العمليات العسكرية التي طالت مناطق مدنية وتراثية في الجنوب اللبناني، بما فيها بنت جبيل. إن تكرار استهداف مناطق مأهولة وما تحمله من قيمة اجتماعية وثقافية يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني. وفي المقابل، يثير موقف المجتمع الدولي حالة من القلق، إذ إن الاكتفاء بالإدانات الشكلية أو الصمت في بعض الأحيان، يُضعف من فعالية منظومة الحماية الدولية، ويطرح إشكالية حقيقية حول ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي. فغياب المساءلة لا يكرّس فقط واقع الإفلات من العقاب، بل يفتح الباب أمام تكرار هذه الانتهاكات في أكثر من مكان وزمان.
وفي النهاية، فإن حماية الحضارات ليست مجرد التزام قانوني، بل مسؤولية إنسانية جماعية، تتجاوز حدود الدول لتشمل ضمير العالم بأسره. فحين يُستهدف التراث، لا تُدمَّر الحجارة فقط، بل يُمسّ تاريخ الإنسانية المشترك.
“فالحضارات لا تموت دفعة واحدة، بل تموت حين نصمت عن حمايتها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :