في «العصف المأكول»: الانتصار بستة صواريخ
كانت جميعها معارك وجودية؛ كانت معركة الإسناد حفاظاً على وجود قيمي، والقيم أصلٌ وشرط وجودٍ لمؤسسات المقاومة، أي المؤسسات الإيمانية، القائمة على تعاقد ضمني بينها وبين حاضنتها على صون حزمة مبادئ وأفكار روحية يؤمن بها، لا على منفعة دنيوية ومادية.
وكانت معركة «أولي البأس» معركة وجود على الوجود نفسه، بينما أطولها وأقساها، وألزمها صبراً، معركة الإعداد، كانت حفاظاً على تكليف الوجود، فليس التكليف هو البقاء أو الحفاظ على المؤسسة أو حتى القتال، إنما «التكليف» كما قال الشهيد مغنية هو الانتصار.
تحقّق مؤسسات المقاومة النصر لنفسها وحاضنتها بمجرّد ما استشعر ناسها تلك القيمة الروحية، شعور بحاسة تتسامى على الحواس الخمس، لا تعرفه أغلب البشرية، فهي مقايضة من خارج الرأسمالية، بل إنّ الرأسمالية تعجز عن فهمها.
والمفارقة، أنّ تركيبة المجتمع العربي فيها أقصى النقيضين، بل إنّ الصراع السياسي في المجال العربي هو في جوهره بين فكرتين فلسفيتين وكتلتين اجتماعيتين، معسكر يقول صدقاً إنّ أولوية ما سأقدّمه لك هو النزاهة في الالتزام بقيم روحية وإنسانية نبيلة، تتّسق مع خزّاننا الثقافي والديني. والآخر، يقول زوراً إنّ ما سأقدّمه لك قيمة مادية تستطيع حواسّك الخمس استشعار لذتها.
هنا تنتمي حواضن مؤسسات المقاومة ومؤسسة الدولة العربية، على رأسها الخليجية، إلى منظومتين حسّيّتين متباينتين.
وتبرز من خلال ذلك أهمية تفكيك النمط الاجتماعي والاقتصادي الخليجي، لأجل القاطنين فيه والمرتبطين به قبل غيرهم، ويبان كذلك حجم خطورته، حيث إنه نمط من التوحّش.
إنّ انفجاراً واستنفاراً قيميَّيْن ضخميْن قامت بهما مؤسسات المقاومة منذ وعبر «طوفان الأقصى» كانا عصيَّيْن على هزّ حواضن مؤسسة الدول العربية والتماس بنيتها الأخلاقية والوجدانية ومقدراتها عن الانعتاق عن إدمان الاستهلاك.
إنّ الإنسان الذي ينتجه نمط عيش هذه الدول غير قادر على استشعار قيم روحية كالكرامة والعزة.
كالمعتل النفسي، القادر على فهم المشاعر لكن ليس على الشعور بها. من هنا لا يكون ما ينطق ويكتب به أفراد هذه المجتمعات على وسائل التواصل الاجتماعي غريباً أو شاذّاً، بل نتيجة حتميّة للعيش تحت مظلّة مؤسسة الدول العربية بنمطها الاقتصادي والقيمي، فهي حبيسة الحواسّ الخمس رغبة ورهبة.
ولذلك، وعلى الطرف النقيض، ترى مزيج الدهشة والغضب -الثوري منه- والحقد -الطبقي منه- لحواضن المقاومة أمام حواضن الدول العربية، فكيف لمن استشعر إحساس الكرامة والإباء والعزة في قتال الكيان الإسرائيلي أن يرى العالم بعين مَن لم يشعرها.
كيف يفرّط في هذه القيم الإنسانية والإسلامية الكبرى أمام الوجود الحيواني الاستهلاكي، فهنا يكون الموت أولى. ولذلك، كانت تلك اللحظة التي تكثّفت فيها الشجاعة والإقدام والكرامة والعزة والوفاء للشهيد خامنئي والإخوة في إيران، وكل ما تغنّت به الثقافة العربية من قيم، لحظة قرار القيادة وتنفيذ أولئك المقاومين لصلية الصواريخ الستة، هي بذاتها لحظة الانتصار.
المبادرة والمفاجأة، اللتان تتطلّبان قدراً كبيراً من الإيمان واستنفار القيم، قادرتان على تقليص أثر هذا التفوّق الأيديولوجي والمادي، وإدخال العدو في حالة من الارتباك والفراغ التخطيطي، ما يقوده إلى قرارات اعتباطية
ولأن ممارسة القيم غاية ووسيلة، فإنّ الانتصار العملياتي على العدو، الانتصار على الاستعمار، وحتى في الفلسفة وجدلياتها، هو في تلك اللحظة المبادرة التي يبادر فيها المُستعمَر.
فحين نتكلّم بأنّ القوة الأيديولوجية والإيمانية هي التي تسدّ هوّة فارق القوّة المادية بيننا وبين القوى الاستعمارية، فنحن لا نتكلم فقط عن مقدرة الحاضنة على التضحية والصمود أمام عنف الاستعمار، وعن شحذ العقيدة القتالية لدى المقاتلين وصلابتها.
بل لأن هذا الإيمان وهذه الثقة بالله يعطيانِنا المقدرة على اللعب في مساحة الغيب، أي ما لا تستطيع نظريات وأدوات الحداثة ونظرية اللعبة على التنبّؤ به وفهمه. وعليه، مباغتة العدو وتحييد كبير لأبرز عوامل قوته وهي مقدرته المادية وفي الموارد على تشكيل كامل المسرح التاريخي للأحداث ومسارها.
كان العدو الإسرائيلي يضع الخطط ويملك الأدوات المادية التي تمكّنه من رسم السيناريوات وتحديد الخطوات الاستراتيجية وتنفيذها تباعاً، ضمن سلّم من الاغتيالات والعمليات وغيرها.
لكنّ المبادرة والمفاجأة، اللتين تتطلّبان قدراً كبيراً من الإيمان واستنفار القيم، قادرتان على تقليص أثر هذا التفوّق الأيديولوجي والمادي، وإدخال العدو في حالة من الارتباك والفراغ التخطيطي، ما يقوده إلى قرارات اعتباطية.
هذا الفراغ ينعكس سلباً على الأداء الاستراتيجي والعملياتي واستخدام القوة النارية، ويفتح ثغرات يمكن من خلالها تحقيق مكاسب مهمة في التراكم التاريخي لعملية التحرّر من الصهيونية، مثل ربط الساحات، وإنهاء حالة استباحة عمليات القصف، وإضعاف المفاعيل المعنوية لفكرة القضاء على المقاومة في وعي المستوطنين، وإفشال أهداف نتنياهو وضعضعة حكومته وطبيعة علاقتها مع الأميركيين.
كان من المثير للاهتمام مثلاً بيان لجيش العدو «قواتنا دمّرت نحو 70 بنية لحزب الله في بنت جبيل خلال دقيقة واحدة»؛ استعراض للقوة النارية الفارغ من أي مكسب استراتيجي، حيث يصعب على العقل الاستعماري الصهيوني تخيّل أنّ القوّة النارية لم تمكّنه من تغيير الواقع السياسي.
بينما كانت كلمة نتنياهو، التي أتت تستدرك تغريدات ترامب عن منع قصف لبنان، مجرّد تكرار مثير للشفقة لمكاسب الخطط والسيناريوات المُعدّة وعمرها سنتان حول عملية البيجر واغتيال الشهيد السيد نصرالله.
كل ذلك، كان بسبب لحظة الصواريخ الستة، والملحمة الاستشهادية التي تلتها في جولة معركة «العصف المأكول»، الجولة التي خيضت كما يجب على كل الجولات بأن لا حدود فيها حتى تحقيق أهدافها.
سيؤرّخ لـ«العصف المأكول»، ومن منظور تاريخي، كإحدى أهم جولات لحظة بدء التحرير التي انطلقت مع «طوفان الأقصى»، تلك الجولات المتتابعة والمسيرة الطويلة والمريرة ذات الأفق الواضح، نحو النصر النهائي، نحو إزالة إسرائيل من الوجود.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي