المناخ الإيجابي الذي ظلّل وجودَ النازحين اللبنانيين في قرى قضاء عاليه، و«الجبل» عموماً، لا ينفصل عن موقف القوى السياسية الدرزية الرئيسية، والتي أجمعت منذ بداية الحرب على احتضان النازحين، إضافة إلى التبدّل الذي طرأ على «المزاج الدرزي» بعد أحداث السويداء العام الماضي
بعد يومين على مجزرة كيفون، يوم «الأربعاء الأسود»، انتُشل جثمانا الشقيقتين ابنتي بلدة ضهور العبادية عايدة وندى النجّار من تحت الركام، واللتين سقطتا إلى جانب نحو 35 شهيداً من المدنيين، بينهم متطوّعون لمساعدة النازحين في مجالَي الصحَّة والدواء. في بيان نَعْي الشقيقتيْن الناشطتين في «لجنة نصرة المقاومة في الجبل»، والذي أصدرته هيئة «مِمَّا تُحبّون» التي تحمل الصيدلية المُستهدفة اسمها، إشارة إلى أنّ «حبيبتنا عايدة وأختها الدكتورة ندى كانتا من زوّار الصيدلية الساعيتَيْن دائماً لتأمين الأدوية ومستلزمات للمحتاجين ولأهلنا الصامدين والمبادرَتَين لإيصال رسالة الحق إلى كل حُرّ وشريف».
في اليوم التالي لـ«الأربعاء الأسود» كان أهالي بيصور يؤكّدون، خلال تشييع ابنة بلدتهم رنا شيّا ملاعب على «المصير الواحد» الذي يجمعهم بجيرانهم في كيفون، وهو ما قابلته بلدية كيفون بتوجيه الشكر إلى «أهل النخوة والشهامة» الذين حَضَروا منذ اللحظات الأولى للعدوان.
الشهيدة رنا قتَلَتها إسرائيل أيضاً في مجزرة كيفون برفقة صديقتها الإعلامية الشهيدة سوزان خليل، أثناء زيارة للصيدلية لتأمين أدوية للنازحين. سقوط الشهيدَتَيْن سوزان ورنا «رمز لوحدة المصير»، على ما تقول رانيا يونس، وتعبير عن «أنَّ وحدتنا هي التاريخ والحقيقة» كما كتب ابن بيصور خالد خدّاج على صفحته.
المظلّة السياسية
لا يمكن رؤية «مشهد كيفون» من خارج «الجو العام الإيجابي» السائد في منطقة الجبل عموماً تجاه النازحين. لكنّ قضاء عاليه، على وجه الخصوص، يشكّل «مختبراً» أساسياً لهذه التجربة الإنسانية، نظراً إلى موقعه الجغرافي وتنوّعه الاجتماعي والسياسي، وهو القضاء الذي استقطب، للمرة الثانية في أقل من سنتين، كتلة كبيرة من النازحين. ومقارنة بمناطق لبنانية أخرى شهدت «مضايقات» أو توترات أمنية، لم تسجّل منطقة عاليه وقوع أي حوادث من هذا النوع، إذ إنّ ثمة توافقاً بين القوى السياسية الأساسية على «ضرورة أن يكون وضع الجبل هادئاً ومعالجة أي مشكلة بالحكمة والرويَّة».
ويكاد يُجمِع المتابعون على أنّ مواقف الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بشأن النازحين تشكّل المظلّة الأساسية لكثير من سكان الجبل. وفق الوليد شميط، رئيس خلية الأزمة التابعة للحزب في منطقة عاليه، «مواقف الرئيس وليد جنبلاط والرئيس تيمور جنبلاط لطالما كانت واضحة وسبّاقة في الدعوة إلى احتضان أهلنا من الجنوب في قرى الجبل بعيداً عن التباين في الرأي السياسي لجهة قرار الحرب والسِّلم وبسط سُلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية». ويؤكد متابعون أن هناك أصواتاً أخرى مغايرة، «لكنها غير فاعلة على الأرض، وتبقى حالة الاحتضان أوسع وأقوى».
حالة الاحتضان أوسع وأقوى مقارنة بـ 2024، ولم يُسجّل منذ بداية الحرب أي إشكال في الجبل
وإلى موقف المختارة، هناك تيار وازن من حلفاء المقاومة مثل الحزب الديمقراطي اللبناني والحزب السوري القومي الاجتماعي، إضافة إلى قوى يسارية، له تأثيره على الشارع في منطقة الجبل. يقول أيمن ملاعب، نائب رئيس دائرة الغرب في «الديمقراطي» إن رئيس الحزب طلال إرسلان «ثابت في دعم المقاومة وتعزيز صمود أهلها النازحين الذين بذَلُوا تضحيات كبيرة». والمناخ الإيجابي ذاته يؤكده وائل ملاعب، رئيس منفّذية الغرب في «القومي»، إذ إن «الحرب بالنسبة إلينا هي جزء من صراعنا الوجودي مع عدونا»، لافتاً إلى «أنّ التفاهم السياسي على مستوى الأحزاب والمشايخ والقوى الأمنية ذلّل العقبات ووضعنا في موقع أفضل، ما سهّل من عملية الاستجابة بالتنسيق مع البلديات».
المزاج الدرزي بعد أحداث السويداء!
وإلى هذا التفاهم، يشير عارفون بـ«السَّاحة الدرزيّة» إلى أنّ أحداث السويداء وما ولّدته من «حالة صدمة» أصابت الحضور الدرزي في المنطقة تركت انعكاسها على الساحة اللبنانية بشكل أو بآخر، إذ إن تياراً كبيراً، من دون أن يغيّر تموضعه السياسي، بات يرى أن «من مصلحتنا عدم معاداة المكوّن الشيعي الكبير في البلد رغم الخلاف في بعض العناوين السياسية، سيما أن الوقائع أثبتت أيضاً أن الإسرائيلي والأميركي لا يعملان إلا وفق أجندتهما التوسعية في المنطقة وليس بهدف حماية أي طرف». يؤكّد هؤلاء أن «جو التعاطف» الحالي لم يكن موجوداً حتى بالمقارنة بالحرب الأخيرة (2024) بفعل هذا العامل المُستجِد.
ويعزون ذلك إلى أن ثمة إدراكاً «بأننا جميعاً في مرحلة اقتلاع. رأينا ذلك في السويداء والساحل السوري، والآن نراه في جنوب لبنان، بمعزل عما إذا كان المرتكب إسرائيلياً أو من الفصائل النظامية السورية». ويقرّ هؤلاء بأن «دعماً إسرائيلياً واضحاً حصل في السويداء للدروز، لكنها كانت لحظة اختناق استفدنا منها. اليوم نحن بحاجة إلى التفاف شعبي لأن كسر الشيعة قد يكون مقدّمة لكسر كل الأقليات في المنطقة». من هنا يمكن فهم هذه «الردّة»، وإن كان لا يجري التعبير عنها بشكل مُعلن ومباشر، لكنها تُترجم بأن «الاحتضان بات الآن ضرورة فضلاً عن كونه واجباً إنسانياً».
وفي محاولة لتفسير هذه «الاندفاعة»، يقول هؤلاء إنه «بعد أحداث السنتين الماضيتين، سقطت اعتبارات الحدود والجغرافيا، وزاد الهاجس لدى البعض من أن مناطق كالبقاع الغربي وراشيا وتلك المحيطة بجبل الشيخ قد تتعرّض لمخاطر مماثلة لما حصل في السويداء، وبالتالي فإن الالتفاف حول الطائفة الشيعية الآن هو جزء من تحصين الذات أيضاً». أضف إلى ذلك ما يجري التعبير عنه، همساً أو علناً، في موضوع تسليم السلاح، إذ إن «هناك قناعة تعزّزت لدى قسم من مشايخ الطائفة بأن السلاح - الفردي وربما المتوسط - الموجود لدينا لا يجب تسليمه، لأنه ببساطة لم يعد يؤتَمَن لأحد في بيئة متوترة كالتي نعيش فيها».
وفوق ذلك كله، يُسجّل تعاطف مع مشهدية الحرب نفسها في الجنوب بمعزل عن سياقها الإيراني والإقليمي. فبرأي كثيرين، «شباب المقاومة هم مواطنون لبنانيون يدافعون عن أرضهم ويُسْتَشهدون لأجلها، ما يتناغم مع فكرة حماية العرض والدين والثبات في الأرض، والتي تعني كثيراً للمجتمع الدرزي».
«نون» لتعزيز الصمود خارج مراكز الإيواء
على الجدار في مركز جمعية «نون التضامن» في منطقة عالَيْه، كُتِبَ التالي: «أهلنا الأعزّاء نفعلُ ما لا نطيق، ونحنُ نُحدّد حجم الحصص. لو كان لنا لأعطيناكم/ن قلوبنا وبيوتنا. سامحونا. دور صعب لا نُفضّله. الموارد محدودة وواجب خدمتكم/ن ثقيل فَمَهْما قدّمنا... مقصّرين/ات».
تُتابِع فرح أبي مرشد، رئيسة الجمعيّة، تفاصيل عملية توزيع المساعدات التي يتولاها فريق شبابي تطوّعي بينهم نازحون. تسأل الناس هناك: «شو ناقصكم؟»، مع عِلمها المُسبق أن بعضهم قد يكون بحاجة إلى كل شيء تقريباً. لكنها، بسؤالها، تحاول أن تعطيهم مساحة لقول ما يريدون، وفي الوقت ذاته تقول لهم: «هذا ما أستطيعه».
انطلاقاً من تجربة سنوات طويلة في العمل التطوّعي خلال الأزمات والحروب، صارت أبي مرشد تعرف كيف تُكيِّف الموارد المتوفّرة لديها مع الحاجات الكبيرة للناس ووفق الأولويات التي تتطلّبها طبيعة المنطقة الجبلية. تقول فرح إن «نون التضامن» تقوم بالتشبيك والتنسيق مع مبادرات وحملات إغاثية أخرى مثل «أرض» و«إسناد» وSPACE الفلسطينية بهدف تعويض النقص الكبير في الموارد مُقارَنة بحرب 2024. برأيها، خطة الدولة لا تُراعي الاحتياجات الكبيرة للنزوح، و«لا تستند إلى دراسة للواقع ولا تعمل لحماية الناس وفق استجابة حقيقية، بل كل همّها هو اختراق الداتا والضغط السياسي». تركّز «نون» جهودها الأساسية على دعم النازحين الذين يقيمون في شقق وبيوت حيث النسبة الكبرى من النازحين الذين لا يتلقّون أي مساعدات.
بالقرب من صورة للشهيدة غدير دندش، وهي متطوّعة استُشهدت في غارة على بلدة عرمون قبل أسابيع، تقول أبي مرشد: «أنا ابنة هذه البلاد، وكل مصاب في هذه الأرض هو مصابي. أنا ابنة جبهة الصمود والمواجهة مع الصهيوني والأميركي وكل مستكبر في هذا العالم يريد مَحْوَنا». هكذا تفهم ابنة بلدة بعلِشْمَيْه (عاليه) دورها الآن: «أريد أن أدعم جبهة صمود الناس في بيوتهم كي أكون داعمة للجبهة التي يتواجد فيها شباب نفتخر بهم».
عام 2016 أسَّست فرح أبي مرشد «نون التضامن - نسويات الريف» لتكون أوّل مساحة نسويّة قاعديّة مستقلّة في قضاء عاليه. في الآونة الأخيرة: «كنّا نركّز على أسئلة من قبيل ماذا يريد المُستعمِر من النسويات والحركات الحقوقية والمجتمع المدني في بلادنا، وكيف يكون التمويل مشروطاً بأجندة معينة؟». وعليه، فإنّ «نون التضامن»، رغم حجمها الصغير، «واحدة من أدوات مقاومة الاستعمار وتعزيز الوعي ضده، رغم محاولات تطويعها سياسياً». وهي معنية كذلك بـ«إعادة تشكيل علاقة صحّية وبنيويّة وحقيقية بين الناس والمساحات النسوية لكسر النظرة الاغترابية عن هذه المساحات».
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :