بين طهران وواشنطن.. باكستان تدير خيوط وساطة معقّدة

بين طهران وواشنطن.. باكستان تدير خيوط وساطة معقّدة

في ظل استمرار التوتر بين طهران وواشنطن، تبرز تحركات الوساطة الإقليمية، وعلى رأسها الدور الذي تضطلع به باكستان، بقيادة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، كمؤشر على تحولات أوسع في إدارة الأزمات الدولية عبر قنوات غير تقليدية.

 

Telegram

وفي هذا السياق، يطرح تمسك إيران بمطالبها، تساؤلات حول ما إذا كان يعكس بالفعل عقيدة ردع طويلة الأمد تقوم على رفع كلفة أي مواجهة محتملة، أم أنه يدخل في إطار تكتيك تفاوضي يهدف إلى تحسين شروط التفاوض ورفع سقف المطالب قبل العودة إلى طاولة الحوار. وبين هذا وذاك، يظل المشهد مفتوحا على احتمالات متعددة تعكس تعقيد التوازنات الإقليمية وتشابك أدوات الضغط والوساطة.

 

في هذا السياق، يصرّح العميد المتقاعد من الجيش اللبناني، منير شحادة، لـ”الأيام نيوز”، بأن الوساطة التي يقودها قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، لا تمثل تحولا جذريا في موازين النفوذ، بقدر ما تعكس إدارة متقدمة للأزمة مع تسجيل مؤشرات محدودة على إعادة تموضع إقليمي.

 

وتشير القراءة الواقعية إلى أن ما يجري هو إدارة للأزمة أكثر منه تحولا بنيويا في موازين القوى، رغم ما تحقق من اختراقات إجرائية على مستوى فتح قنوات الاتصال بين الأطراف بعد مرحلة من التصعيد، وجمع وفود تفاوضية كبيرة وغير مسبوقة نسبيًا، إضافة إلى تقليص بعض الفجوات التقنية والسياسية التي كانت تعرقل مسار الحوار. كما أسفرت هذه الوساطة عن تفاهمات جزئية شملت ترتيبات تهدئة مؤقتة ووضع إطار أولي لمناقشة القضايا الأساسية.

 

ويشير شحادة إلى أنه رغم هذه النتائج، فإن القضايا الجوهرية لا تزال عالقة، وفي مقدمتها الخلاف حول البرنامج النووي، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى فرض تقييد طويل الأمد قد يمتد لعقدين، في حين تتمسك إيران بفترات أقصر تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات. كما أن ملف العقوبات الاقتصادية لم يشهد أي رفع فعلي، في وقت لا تزال فيه التهديدات العسكرية قائمة، وهو ما يجعل المشهد أقرب إلى حالة تجميد مؤقت للتصعيد دون الوصول إلى اتفاق نهائي أو معالجة جذرية للأزمة.

 

ويرى شحادة أن هذا المسار لا يمكن اعتباره تحولًا في موازين القوى، لأن تلك الموازين تُقاس بعناصر صلبة تشمل القدرات العسكرية والعقوبات الاقتصادية والتموضع الجيوسياسي، وهي عناصر لم يطرأ عليها تغيير فعلي حتى الآن. وبالتالي، فإن ما حدث يندرج ضمن إطار تخفيف الاحتكاك وإدارة التوتر، وليس إعادة توزيع حقيقية للقوة في النظام الإقليمي أو الدولي.

 

في المقابل، حسب شحادة، يبرز نوع من التحول النسبي يتمثل في صعود باكستان كفاعل وسيط أكثر تأثيرًا، حيث انتقلت الوساطة من أطراف تقليدية إلى طرف يتمتع بثقل عسكري واستراتيجي مهم، بما في ذلك امتلاكه قوة نووية. كما أن دائرة التفاوض لم تعد محصورة في الملف النووي فقط، بل توسعت لتشمل قضايا أخرى مثل أمن الملاحة وبعض الملفات الإقليمية، ومن بينها لبنان، وهو ما يعكس توسعًا في نطاق إدارة الأزمة دون تغيير في بنيتها الأساسية.

 

أما فيما يتعلق بالموقف الإيراني، فيوضح شحادة أن التشدد الذي تبديه طهران يعكس مزيجا بين استراتيجية ردع طويلة الأمد وتكتيك تفاوضي وظيفي. فمن جهة، تعتمد إيران على توظيف عناصر الجغرافيا الاستراتيجية، خصوصا عبر التلويح بالممرات البحرية الحساسة مثل مضيق هرمز وبحر عمان والبحر الأحمر، وهي ممرات تمر عبرها نسبة مهمة من تجارة النفط العالمية، إلى جانب تطوير قدراتها الصاروخية وتعزيز شبكة حلفائها الإقليميين، وهو ما يشير إلى بناء منظومة ردع ممتدة وليست ظرفية.

 

ومن جهة أخرى، يقول شحادة إن هذا التشدد يتزامن مع مسارات التفاوض نفسها، حيث ترتبط حدة الخطاب بمستوى الضغط أو الانفراج في المفاوضات، دون انسحاب من العملية السياسية أو إغلاق باب الحوار، ما يعزز فرضية استخدام التصعيد كأداة تفاوضية أكثر منه خيارا نهائيا. ويضيف أن هذا السلوك يعكس أيضا تداخلا داخل مراكز القرار الإيرانية بين جناح يميل إلى التشدد وجناح أكثر براغماتية، وهو ما يفسر ارتفاع سقف الخطاب السياسي مقابل مرونة نسبية على طاولة المفاوضات.

 

ويؤكد شحادة في قراءته أن الوساطة الباكستانية تمثل أداة لاحتواء الأزمة ومنع انفجارها أكثر من كونها نقطة تحول في موازين النفوذ، كما أن التشدد الإيراني يجمع بين البعد الاستراتيجي المرتبط بالردع والبعد التكتيكي المرتبط بإدارة التفاوض وتحسين الشروط داخل مسار تفاوضي لا يزال مفتوحا على عدة احتمالات.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram