بيروت – (آيكون نيوز): في ظل استمرار وقف إطلاق النار الهش في أعقاب الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي الذي دام أربعين يومًا، يواجه المفاوضون المجتمعون في إسلام آباد، إلى جانب التبادلات الموازية عبر القنوات السويسرية وغيرها من القنوات الوسيطة، مجددًا نقطة خلاف جوهرية ودائمة في العلاقات الأمريكية الإيرانية: وهي إمكانية الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة بموجب سنوات من العقوبات الأمريكية.
ومع ربط طهران إعادة فتح مضيق هرمز وتقليص أنشطة الوكلاء بتخفيف العقوبات، تواجه واشنطن معضلة استراتيجية مألوفة.
إن مسألة الأصول المُفرج عنها ليست بجديدة. فبموجب خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، استعادت إيران إمكانية الوصول إلى أموال كانت مقيدة سابقاً، والتي يُشار إليها غالباً بأنها تصل إلى 150 مليار دولار. وقد منحت هذه الموارد طهران هامشاً مالياً كبيراً. إلا أنه بدلاً من أن تُترجم هذه الأموال إلى انتعاش اقتصادي داخلي واسع النطاق، يبدو أن جزءاً منها قد دعم نفوذ إيران الإقليمي، بما في ذلك شبكة وكلائها.
وتشير بيانات المسح من عام 2018 إلى أن 75 بالمائة من الإيرانيين يعتقدون أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لم تتحسن نتيجة للاتفاق النووي، في حين رأى الكثيرون أن الأموال المتاحة استفادت بشكل غير متناسب من النخب ذات العلاقات الجيدة أو تم تحويلها إلى الخارج لدعم الشبكات الوكيلة والأنشطة العسكرية والطموحات العدائية الأوسع.
وقد شكلت هذه التجربة شكوكاً مستمرة في أوساط السياسة الأمريكية، لا سيما خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، الذي جادل باستمرار بأن تخفيف العقوبات عزز قدرات إيران الصاروخية وشبكاتها بالوكالة ونفوذها الإقليمي.
وفي السياق الراهن، يكمن الخطر في أن يؤدي رفع العقوبات غير المشروطة إلى تعزيز نفوذ إيران الخارجي مجدداً بدلاً من استقرار اقتصادها الداخلي. ويتفاقم هذا القلق بشكل خاص نظراً لاستمرار حالة عدم الاستقرار الأمني في الخليج، والآثار المتبقية للاضطرابات في مضيق هرمز على أسواق الطاقة العالمية.
في الوقت نفسه، تطورت صياغة إيران للمسألة. فما بدا في البداية مجرد طلب للوصول إلى نحو 6 مليارات دولار من الأموال المقيدة، توسع بشكل ملحوظ، حيث تشير مصادر إيرانية الآن إلى أن ما يصل إلى 27 مليار دولار لا تزال مجمدة في عدة دول. وقد رفع حجم هذه المطالب من شأن هذه المسألة من كونها أداة تفاوض ثانوية إلى ركن أساسي في المفاوضات.
ويتمثل النهج الأكثر حكمة في هيكلة تخفيف العقوبات بشكل مشروط وتدريجي. فبدلاً من منح حق الوصول الفوري والشامل إلى الأصول المجمدة، يمكن الإفراج عن الأموال على مراحل وربطها بشكل واضح بتدابير خفض التصعيد القابلة للتحقق. ويمكن ربط الدفعات الأولى بخطوات ملموسة، مثل خفض الدعم المادي للوكلاء الإقليميين أو الامتناع عن الأعمال التي تهدد الأمن البحري. أما المراحل اللاحقة، فيمكن أن تعتمد على تغييرات سلوكية مستدامة، تُراقَب من خلال آليات دولية مُعزَّزة. وفي الوقت نفسه، ستكون بنود "إعادة فرض العقوبات" التلقائية والفعّالة ضرورية لضمان أن أي خرق للالتزامات سيؤدي إلى إعادة فرض العقوبات بسرعة.
ومن شأن هذا النهج أن يعالج مباشرةً أحد الانتقادات الرئيسية الموجهة إلى الاتفاق النووي الإيراني: وهو عدم التوازن بين المكاسب الاقتصادية الفورية وتأخر أو عدم وضوح تطبيق القيود السلوكية. في المقابل، من شأن إطار عمل مرحلي أن يحافظ على النفوذ على المدى الطويل ويقلل من مخاطر العواقب الاستراتيجية غير المقصودة. كما أنه ينسجم مع عناصر سياسة "الضغط الأقصى"، التي كانت تقيد سابقًا القدرة الاقتصادية لإيران، وبالتالي أنشطتها الإقليمية، قبل تصعيد هذا العام.
كما سيكون لدور الشركاء الدوليين أهمية بالغة في تحديد مدى فعالية تطبيق هذا الإطار. وقد سعت الجهات الفاعلة الأوروبية، ولا سيما فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، تاريخياً إلى الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية مع إيران مع الحفاظ على جوهر الاتفاق النووي. وفي المفاوضات الحالية، تتمتع هذه الجهات بموقع قوي للدعوة إلى نموذج أكثر مرونة لتخفيف العقوبات. ومن خلال مواءمة قنواتها المالية وأطرها التنظيمية مع معايير قابلة للقياس لسلوك إيران، تستطيع الحكومات الأوروبية تعزيز النفوذ الأمريكي مع الحفاظ على التماسك الدبلوماسي.
إلى جانب أوروبا، فإنّ كبار مستوردي الطاقة الآسيويين، بما في ذلك الصين والهند وكوريا الجنوبية، لهم مصلحة مباشرة في هذه النتيجة. ويمكن للصين، التي حافظت على تدفقات محدودة من النفط الإيراني خلال الأزمة، أن تلعب دورًا بنّاءً من خلال تبني نهج تدريجي لتخفيف العقوبات مرتبط بشروط سلوكية واضحة. ومن شأن توافق أوسع بين دول مجموعة السبع ومجلس التعاون الخليجي، مدعومًا بمعايير شفافة وإشراف متعدد الأطراف، أن يعزز مصداقية هذه الاستراتيجية.
في نهاية المطاف، تتجاوز مسألة الأصول المجمدة بكثير احتياجات إيران الاقتصادية المباشرة. فالوصول غير المشروط إلى هذه الأموال يُنذر بمكافأة أشكال الحرب الهجينة نفسها التي ساهمت في الأزمة الأخيرة، بما في ذلك تعطيل خطوط الشحن الحيوية والارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية. وقد يُعزز ذلك أيضاً الفصائل المتشددة داخل النظام السياسي الإيراني التي تُفسر التنازلات الاقتصادية على أنها دليل على ضعف خارجي بدلاً من كونها حوافز لتعديل السياسات.
في المقابل، يوفر إطار عمل مدروس ومرتبط بالسلوك مسارًا أكثر استدامة للمضي قدمًا. فمن خلال الحفاظ على النفوذ المالي مع توفير مسار واضح للتخفيف التدريجي للعقوبات، يمكن لهذا النهج أن يساعد في تخفيف التوترات دون التضحية بالأهداف الاستراتيجية. بالنسبة لواشنطن، يمثل هذا تحديًا وفرصة في آن واحد. فبعد أن شددت الإدارة الأمريكية الحالية مطولًا على المخاطر المرتبطة برفع العقوبات غير المشروط، بات عليها الآن مهمة ترجمة هذا النقد إلى إطار دبلوماسي عملي.
الدرس الأوسع واضح: تخفيف العقوبات ليس غاية في حد ذاته، بل أداة سياسية يجب تصميمها بعناية وتطبيقها بصرامة. فإذا تم تنظيمها دون ضمانات كافية، فإنها تُخاطر بتفاقم الديناميكيات التي تسعى إلى تخفيفها. أما إذا تم تضمينها ضمن إطار مشروط وقابل للتحقق، فقد تُسهم في تحقيق توازن إقليمي أكثر استقرارًا.
وبالتالي، فإن نتيجة المفاوضات الحالية لن تحدد مسار العلاقات الأمريكية الإيرانية فحسب، بل ستشير أيضاً إلى ما إذا كان المجتمع الدولي قد استوعب دروس العقد الماضي بشكل فعال.
ترجمة: آيكون نيوز
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :