من 7 أكتوبر إلى بيروت… مسار يتشكّل تحت النار

من 7 أكتوبر إلى بيروت… مسار يتشكّل تحت النار

 

Telegram

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز

ليس صدفة أن تتسارع الأحداث في المنطقة بمشهدية دراماتيكية، وكأن أحداً يمسك بخيوط لعبة كبرى لا تُترك للصدفة. بينما يراهن البعض على أن المنطقة تتجه نحو "استقرار" جديد، فإن القراءة الأعمق تقول عكس ذلك: إنها مرحلة إعادة توزيع النفوذ بآليات لا تختلف كثيراً عن أدوات الهيمنة الكلاسيكية.

 

في قلب هذا المشهد، يبدو أن ثمة تحولاً كبيراً في موازين القوى، حيث صعدت أدوات سياسية وعسكرية جديدة على حساب أخرى تراجعت. والدليل واقعي وموجود على الأرض: من الضفة الغربية حيث محمود عباس، إلى غزة حيث حماس باتت محاصرة ومستنزفة، إلى سوريا حيث أحمد الشرع يخطو بثقل جديد، إلى بيروت حيث نواف سلام يأتي بمهمة محددة: أن يفعل ما فعله آخرون قبله، أي تسليم لبنان إلى أميركا وإسرائيل على طبق من فضة. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو مسار بدأ يتشكل تحت النار، ومن 7 أكتوبر إلى بيروت، تتكشف خيوطه 

في السياسة، لا تتشابه الوقائع الكبرى صدفة. ومنذ السابع من أكتوبر، لم يتغيّر فقط مسار الحرب، بل بدا أن قواعد اللعبة نفسها أُعيدت كتابتها. الصدمة الأولى كسرت عقيدة، لكن ما تلاها كشف مسارًا يتقدّم خطوة خطوة.

تغيير العقيدة… بوابة التغيير الأكبر

 

قبل 7 أكتوبر، كان ميزان الاشتباك قائمًا على الردع وإدارة التصعيد. بعده، انتقل المشهد إلى حرب مفتوحة واستنزاف طويل، تمدّد من غزة إلى ما حولها. هذا التحوّل لم يكن تفصيلاً عسكريًا، بل مفتاحًا لمرحلة: إعادة ترتيب التوازنات، لا مجرد خوض المعارك.

من غزة إلى دمشق: تفريغ العمق – واستهداف العامود الفقري

 

غزة تحوّلت إلى ساحة استنزاف، وسوريا إلى ساحة ضغط منخفض الكثافة وعالي الأثر. لكن الأعمق من ذلك أن الضربات المتكررة داخل الأراضي السورية لم تستهدف مواقع عشوائية، بل استهدفت الجيش العربي السوري تحديداً. وهذا الجيش لم يكن خصماً عابراً، بل حمل عقيدة قتالية واضحة: يعرف من هو عدوه، ومن يقف معه، ومن ضده. لم تكن استهدافاته صدفة، بل كانت جزءاً أساسياً من المؤامرة الكبرى. هذا الجيش كان العامود الفقري الذي يسند المقاومة في العمق الاستراتيجي. بتفريغه، تُقطع شرايين الإمداد، وتُعزل الساحات، ويُترك كل طرف ليواجه مصيره وحده. وفي الجيوبوليتيك، تفريغ العمق أخطر من كسر الواجهة، وقتل العامود الفقري أسرع طريقة لإنهاء أي جسد.

لبنان: الساحة الأكثر حساسية

 

في لبنان، تتكثّف الضغوط: ميدان مشتعل، اقتصاد منهك، وسياسة منقسمة. ومع تضييق الخيارات، تظهر المعادلة الأخطر: حين يُقدَّم "الحل" كأنه الخيار الوحيد.

بين الضغط والتسوية: أين يقف لبنان؟

 

السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما يُدفع إليه لبنان هو تسوية طبيعية؟ أم انتقال تدريجي إلى موقع جديد ضمن توازنات تقودها الولايات المتحدة وتستفيد منها إسرائيل؟ لا تُعلن هذه التحولات عادة، لكنها تُبنى… حتى تبدو حتمية.

 

وسط كل ذلك… المقاومة كعامل مُربك

 

رغم هذا المسار، تبقى حقيقة لا يمكن تجاوزها: وجود المقاومة كعامل يعرقل أي انتقال سلس. ففي الميدان، ورغم الخسائر، تواصل المقاومة تسجيل حضورها، وتثبيت معادلاتها، وتقديم أداء يُقرأ لدى بيئتها على أنه إصرار على منع كسر التوازن بالكامل. هذا الحضور لا يلغي الضغوط، لكنه يمنع تحويلها إلى واقع محسوم. وفي حسابات الصراع، وجود قوة قادرة على المواجهة — ولو تحت الضغط — يعني أن المسار ليس مغلقًا بالكامل.

الحقيقة التي غابت عن أصحاب المؤامرة: الأرض تقاتل مع أصحابها

 

لكن ثمة ما هو أعمق من كل ذلك، شيء غاب عن حسابات أصحاب المؤامرة تماماً. ظنوا أنهم إذا أحكموا الحصار، وجففوا الأموال، وضربوا الحلفاء، ورهنوا السياسيين، فإن المقاومة ستسقط. حسبوا السلاح والمال والرجال. نسوا أن المقاومين ليسوا مجرد مقاتلين، بل هم على أرضهم. أرض يعرفون كل حجر فيها، وكل شجر، وكل طريق. أرض زرعوها بعرقهم، ورووها بدمائهم، ودفنوا فيها أعز الناس عليهم.

 

ما لا يفهمه من يخططون من خلف مكاتب بعيدة، هو أن الأرض لا تكون مجرد ساحة قتال. الأرض تقاتل. الأرض تحتضن أصحابها وتخفيهم وتغذيهم. الجندي الذي يدافع عن بيته ليس كمن يقاتل في مكان غريب. حسبوا كل شيء إلا شيئاً واحداً: أن الأرض التي يدافع عنها أصحابها تصبح سلاحاً لا يُكسر. وأن كل صاروخ يطلق من أرض محتلة يحمل معه رملاً وصخراً وروحاً لا تقهر. هذا هو الخطأ الفادح في حساباتهم. هذا ما سيجعل مخططاتهم تتحطم، ليس اليوم ولا غداً، لكنها ستتحطم، لأن الأرض لا تبيع أهلها، وأهلها لن يبيعوا أرضهم.

 

قراءة أوسع: توازنات تتبدّل

 

تذهب بعض القراءات إلى أن ما يجري لا يقتصر على إعادة توزيع القوة بين الدول، بل يشمل أيضًا تحوّلات داخلية في مراكز النفوذ الإقليمي. هذه القراءة تبقى محل نقاش، لكنها تعكس شعورًا متناميًا بأن المنطقة لا تُعاد صياغتها عسكريًا فقط… بل سياسيًا أيضًا.

 

النهاية لا تزال مفتوحة

 

ما بدأ في 7 أكتوبر لم يكن حدثًا معزولًا، بل بداية مسار: غيّر العقيدة، وسّع ساحات الاشتباك، وفتح الباب أمام إعادة ترتيب الأدوار. غزة استُنزفت، دمشق أُعيد ضبطها من خلال استهداف عمودها الفقري، ولبنان يقف اليوم عند مفترق حاسم. لكن مع وجود المقاومة التي تقاتل من أرضها، والتي تدرك أن الأرض معها وليست عليها، يبقى السؤال مفتوحًا… لا محسومًا.

 

في بعض الحروب، يُراد للمسارات أن تبدو مكتملة… لكن وجود عامل واحد غير قابل للكسر، كفيل بإبقاء النهاية مفتوحة. وبين ما يُخطَّط له… وما يُفرض في الميدان… وبين من يظنون أنهم يملكون كل شيء… وأرض تقاتل مع أصحابها… يبقى الغد ليس لأحد.

 

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram