"دمٌ في الميدان… واستسلامٌ في السياسة: سقوط الدولة يبدأ من هنا"

بينما يُسطر رجال الميدان بطولاتٍ تكسر جبروت العدو وتفرض معادلات القوة، تنزلق السلطة إلى تفاوضٍ بلا سقف، مُهدرةً أوراق الضغط ومحوّلةً دم الشهداء من عنصر ردع إلى كلفةٍ بلا حساب.

 

Telegram

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز

في الدول التي تعرف معنى الكرامة، تتحوّل دماء الشهداء إلى معيارٍ يُعاد على أساسه تصويب القرار السياسي. أما حين يصبح الدم تفصيلاً، والتفاوض أولوية، فذلك ليس خطأً في التقدير، بل خللٌ عميق في تعريف الدولة لنفسها.

 

شهداء أمن الدولة الذين سقطوا برصاص العدوان الإسرائيلي لم يكونوا ضحايا صدفة، بل رجالًا في موقع الدفاع عن السيادة، سقطوا لأنهم واجهوا عدوًا لا يفهم إلا لغة القوة. هؤلاء لم يمنحوا الوطن بيانات، بل دمًا. ولم يتركوا خلفهم شعارات، بل مسؤولية.

 

لكن ما تلا سقوطهم كان أخطر من الجريمة نفسها.

 

بدل أن يكون الدم نقطة تحوّل، تحوّل إلى هامش. وبدل أن يرتفع السقف السياسي، انخفض إلى حدٍ بات معه التفاوض يبدو وكأنه هدف بحد ذاته، لا وسيلة. في لحظةٍ كان يُفترض فيها تثبيت معادلة الردع، انكشفت السلطة على عكسها تمامًا: تراجع، ارتباك، وإشارات ضعف مفتوحة.

 

أي دولة هذه التي يُقتل رجالها، فيما مسؤولوها يسارعون إلى التفاوض؟

أي منطقٍ هذا الذي يجعل من الدم عبئًا يجب تجاوزه، لا قوة يجب البناء عليها؟

 

التفاوض تحت النار ليس سياسة، بل عجز. والتفاوض بلا أوراق قوة ليس دبلوماسية، بل تفريط. أما التفاوض فوق دم الشهداء، فهو سقوط أخلاقي كامل، لا يمكن تبريره ولا تغطيته.

 

وفي لحظة الانكشاف هذه، يبرز التناقض الصارخ مع ما يجري خارج الحدود. إيران، في قلب مفاوضات معقّدة، تتمسّك بوقفٍ فوري وغير مشروط لإطلاق النار في لبنان، وترفض أي تأجيل أو تسويف، وتربط ملفات إقليمية حساسة بسرعة التنفيذ. هذا ليس موقفًا دعائيًا، بل تعريف واضح لمعادلة القوة: أوقف العدوان أولًا، ثم تفاوض.

 

في المقابل، يخرج من الداخل من يقدّم للعدو ما لم يطلبه أصلًا. تصريح رئيس الحكومة نواف سلام بأن “لبنان يفاوض مباشرة” لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل إشارة سياسية خطيرة قُدّمت في أسوأ توقيت ممكن. في لحظة نزف، تحوّل هذا التصريح إلى رسالة ضعف، تُقرأ جيدًا في غرف القرار المعادية، وتُترجم ضغطًا إضافيًا في الميدان.

 

وهنا، لا بد من قول ما يتجنّب كثيرون قوله:

الدم الذي سُفك في ظل هذا المسار ليس منفصلًا عنه.

حين تُخفّض السقوف سياسيًا، تُفتح شهيّة العدوان ميدانيًا.

وحين يُدار التفاوض بهذه الطريقة، يصبح من يديره شريكًا في كلفته، لا مجرد وسيطٍ بريء.

 

لكن المفارقة الأكثر قسوة لا تقف هنا.

 

في الميدان، هناك من يكتب معادلة مختلفة تمامًا. أبطال المقاومة يسطرون بطولات يومية، يواجهون، يردعون، ويكسرون جزءًا من جبروت العدو، ويفرضون وقائع لا تُصاغ على طاولات التفاوض بل تُنتزع بالنار والصمود. هناك، تُبنى أوراق القوة الحقيقية.

 

وفي السياسة؟

تُهدر هذه الأوراق.

 

بدل أن تتحوّل هذه الإنجازات الميدانية إلى رافعة تفاوضية، يجري التعامل معها وكأنها عبء. بدل أن يُبنى عليها لفرض شروط تحفظ الكرامة، يجري القفز فوقها نحو تنازلات مسبقة. هنا يتجلى الخلل بأوضح صوره: ميدان يصنع القوة، وسلطة تُفرّط بها.

 

الدول لا تُهزم فقط عندما تُقصف، بل عندما تفشل في استثمار عناصر قوتها. وعندما يصبح القرار السياسي أضعف من تضحيات الميدان، تتحوّل المشكلة من مواجهة مع عدو، إلى أزمة في بنية القرار نفسه.

 

اليوم، لم يعد مقبولًا الاستمرار في هذا المسار. المطلوب ليس خطابًا، بل قرارًا:

وقف التفاوض تحت النار، إعادة الاعتبار لمعادلة القوة، ووضع دم الشهداء في مكانه الطبيعي — كخطٍ أحمر لا يُمس، لا كورقةٍ تُستهلك.

 

لأن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها هي:

من يفاوض على دم الشهداء، لا يحمي الدولة… بل يفرّط بها.

في الكواليس، لا تُرسم فقط خطوط التفاوض، بل تُرسم حدود التنازل أيضًا. ما يجري ليس ارتباكًا عابرًا، بل اتجاه يُراد تثبيته: فصل الميدان عن السياسة، وإفراغ الإنجازات من مضمونها. لكن ما يغيب عن حسابات البعض، أن المعادلات التي تُكسر في الغرف المغلقة، يعاد فرضها في الميدان… وبكلفة أعلى بكثير.

لكن التجارب تثبت أن الدم حين يُخذل، لا يهدأ — بل ينتظر. وعندما يعود، لا يطرق الأبواب، بل يكسرها.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram