د. نبيلة عفيف غصن
ليس ما يجري اليوم في لبنان حدثاً معزولاً عن سياقه التاريخي، ولا هو مجرّد أزمة عابرة في نظامٍ مأزوم بطبيعته، بل هو امتدادٌ حيّ لمسار طويل من محاولات إخضاع هذا البلد وكسر إرادته وربطه بمشاريع الهيمنة الخارجية. من عام 1982 إلى اليوم، تتبدّل الوجوه، لكن تبقى الأهداف نفسها: تطويع لبنان، ضرب مقاومته، وجرّه إلى “سلام” مفروض بقوة النار والضغط السياسي.
1982–1983: التطبيع تحت حراب الاحتلال
حين اجتاحت قوات الكيان الصهيوني لبنان عام 1982، لم يكن الهدف عسكرياً فقط، بل سياسياً بامتياز: إعادة تشكيل لبنان وفق رؤية تخدم المشروع الأمريكي–الإسرائيلي في المنطقة. فجاء انتخاب أمين الجميّل في ظل الاحتلال ليكرّس هذه المعادلة، حيث تحوّلت السلطة إلى أداة لتمرير اتفاق 17 أيار، ذلك الاتفاق الذي لم يكن سوى محاولة لشرعنة الاحتلال وإعادة إنتاجه بصيغة “سلام”.
لم يكن فرض الحكم العسكري في بيروت الكبرى حينها إجراءً أمنياً عادياً، بل كان إعلاناً صريحاً عن خوف السلطة من شعبها. قُمعت الأصوات المعارضة، وضُرب الإعلام، وحوصرت القوى الوطنية والإسلامية التي رفضت الخضوع. وفي موازاة ذلك، جرى توريط الجيش اللبناني في مواجهات داخلية، في محاولة لفرض سلطة سياسية متماهية مع الاحتلال، حتى لو كان الثمن تفجير البلاد من الداخل.
لكن تلك المرحلة أثبتت أن القمع لا يصنع شرعية، وأن “السلام” المفروض لا يعيش طويلاً. فالمقاومة الشعبية والمسلحة، إلى جانب الانتفاضات الواسعة، أسقطت اتفاق 17 أيار وأسقطت معه وهم إخضاع لبنان.
اليوم: إعادة إنتاج الوصاية بأدوات جديدة
ما أشبه اليوم بالأمس. فبعد حرب 2024 وما أفرزته من توازنات جديدة، يعود الحديث عن “إعادة ترتيب” الوضع اللبناني، ولكن هذه المرة تحت عنوان مختلف: نزع سلاح المقاومة وفتح الباب أمام اتفاق “سلام” جديد.
وصول جوزيف عون ونواف سلام إلى السلطة لم يأتِ من فراغ، بل في سياق دولي وإقليمي يسعى إلى إعادة صياغة المشهد اللبناني بما يتلاءم مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية. وهنا، يتكرّر المشهد ذاته: سلطة تضيق ذرعاً بالمقاومة، وتتعامل معها كعبء يجب التخلص منه، بدل كونها قوة دفاعية نشأت في وجه العدوان.
التصعيد السياسي ضد المقاومة يترافق مع مؤشرات خطيرة: دفع الجيش اللبناني إلى موقع المواجهة مع بيئته، وتكثيف الضغوط الأمنية والسياسية، وتهيئة الأرضية لمفاوضات مباشرة مع العدو تحت رعاية أمريكية. إنها المعادلة نفسها التي طُرحت في الثمانينيات، لكن بصياغة أكثر “نعومة” في الشكل، وأشد خطورة في الجوهر.
الجيش بين العقيدة الوطنية وضغط التوظيف السياسي
أخطر ما في هذا المسار ليس فقط استهداف المقاومة، بل محاولة إعادة تعريف دور الجيش اللبناني. ففي الثمانينيات، كان توريط الجيش في الصراع الداخلي أحد أبرز أسباب تفكك الدولة وانفجار الحرب الأهلية. واليوم، تعود المحاولة نفسها: تحويل الجيش من مؤسسة وطنية جامعة إلى أداة في صراع سياسي داخلي يخدم مشاريع خارجية.
هذا المسار لا يهدد المقاومة وحدها، بل يهدد بنية الدولة نفسها. لأن أي صدام بين الجيش وجزء كبير من الشعب لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج مشاهد الانقسام والانفجار، وهو ما يخدم في النهاية من يريد إضعاف لبنان وإبقائه ساحة مفتوحة.
نحو “سلام” مفروض أم مواجهة مفتوحة؟
الدفع نحو مفاوضات مباشرة مع الكيان الصهيوني في ظل استمرار الاعتداءات على لبنان يطرح سؤالاً جوهرياً: أي سلام هذا الذي يُبنى تحت النار؟ وأي سيادة يمكن أن تنشأ من اتفاق يُفرض تحت الضغط؟
التجربة التاريخية واضحة: كل اتفاق لا يستند إلى توازن حقيقي وإرادة وطنية مستقلة، يتحول إلى أداة ابتزاز دائمة. وهذا ما حصل مع اتفاق 17 أيار، وما يُراد تكراره اليوم بصيغة جديدة.
التاريخ لا يعيد نفسه… لكنه يفضح المتشابهين
قد تختلف الظروف الدولية، وتتبدل الأدوات، لكن جوهر الصراع في لبنان لم يتغير: مشروع يريد لبنان تابعاً، ومشروع يريده حراً. وبينهما تقف قوى داخلية تختار موقعها، إما إلى جانب السيادة الفعلية أو في خدمة الوصاية.
ما لم يتغير أيضاً هو أن الشعوب التي خبرت الاحتلال ودفعت أثمان المواجهة لا تنخدع بسهولة بشعارات “السلام” المسمومة. فكما سقط اتفاق 17 أيار تحت ضغط المقاومة والإرادة الشعبية، فإن أي محاولة جديدة لفرض واقع مشابه ستصطدم بالحقيقة نفسها.
خاتمة: منطق الأرض أقوى من صفقات السماء
لبنان ليس مجرد ساحة يمكن إعادة رسمها وفق مصالح الخارج، بل هو مساحة مقاومة حيّة، صاغتها التضحيات وكرّستها التجارب. وكل من يظن أن بإمكانه فرض معادلات جديدة بالقوة أو بالضغط، يتجاهل درساً أساسياً في تاريخ هذا البلد: أن ما يُفرض لا يدوم، وأن ما يُنتزع بالإرادة يبقى.
إنها ليست مجرد قراءة في الماضي، بل تحذير من مستقبل يُعاد طبخه بالأدوات نفسها. لكن كما في كل مرة، يبقى الرهان على وعي الناس، وعلى قدرة هذا البلد على إسقاط المشاريع التي لا تشبهه.
هكذا يتكلم التاريخ… لا كحكايةٍ تُروى، بل كقوةٍ تُقاوم.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :