إذا حاول المواطن اللبناني تخطي أن هناك “دماء بسمنة” و”دماء بزيت”، فبعض المجازر تستحق التحقيقات، وأخرى لا تستأهل حتى الإستنكار. تخطي الأمر في سبيل حماية السلم الأهلي، لا يمكنه تخطي استغلال الدماء التي لطّخ العدو الإسرائيلي يده فيها لغاية في “نفس أمّارة بالسوء”.
عدوان عين سعادة، نفذه العدو الإسرائيلي بوضوح، وتفاخر به، وأعلن أنه اغتال مسؤولاً في “فيلق القدس” ضمن “حزب الله”، وشرح التفاصيل التي أوضحت أن بوارجه الحربية أطقلت الصواريخ على المبنى الواقع في المشروع السكني التابع للوقف في الماروني في بلدة عين سعادة.
سقط 3 شهداء، لأن كل من يسقط بالعدوان الصهيوني هو شهيد، أياً تكن طائفته ومهما كان انتماؤه السياسي.
وعلى الرغم من هذا الوضوح، برزت أصوات لم ترتقِ بعد إلى مستوى المواطَنة، وحاولت تبرئة “إسرائيل” من جريمة تباهت هي نفسها بها، محمّلة المسؤولية للمقاومة، ومتبنية الرواية الإسرائيلية بحذافيرها، بل ومضيفة عليها ما يخدم مشروع الفتنة وتمزيق النسيج الداخلي.
في تفاصيل الحادثة، زعم العدو استهداف أحد عناصر “فيلق القدس”، وهو ما يزعمه عند ارتكابه لأي مجزرة في أي منطقة لبنانية.
ثم، بعد أن ظهرت نتائج عدوانه، وتبيّن سقوط مسؤول في حزب “القوات اللبنانية” وزوجته وصديقتها، سارع العدو الإسرائيلي، ولأول مرة، إلى الإعلان عن فشل عملية الاغتيال، ليقدم سردية تخدم منطق الفتنة، وهو الذي لم يعلن فشل أي عملية اغتيال يقوم بها، على الأقل طوال السنوات الثلاث من الحرب العدوانية على لبنان وعلى غزة وعلى إيران، حتى تلك التي لم تستهدف أحداً، علماً أن معظم عمليات الاغتيال التي أعلن عنها في العدوان الحالي المستمر منذ أكثر من شهر على لبنان، كانت فاشلة.. وهنا توضع علامات الإستفهام حول أسباب إعلان العدو الإسرائيلي هذه المرّة فشل عملية الاغتيال!
النقطة الثانية تتعلق بتعاطي وسائل الإعلام و”بعض” السكان، ومحاولة تسويق رواية العدو أكثر من العدو نفسه.
ففي الوقت الذي نفى فيه صاحب الشقة ورئيس بلدية عين سعادة أن تكون الشقة مؤجرة لأي شخص، حاولت وسائل الإعلام تقديم سردية مغايرة، متهمة كلاً من رئيس البلدية وصاحب الشقة بالكذب.. إلى أن جاء بيان الجيش اللبناني، مؤكداً أن الشقة فارغة وغير مؤجرة.
لكن هؤلاء كذّبوا الجيش اللبناني، واصروا على تسويق فكرة وجود مستأجر وأنه هرب على دراجة نارية قبل لحظات من الاستهداف. لكن الجيش اللبناني الذي واصل تحقيقاته، أعلن أن الشاب الذي شوهد على دراجة نارية فاراً من مكان الغارة قبيل حصولها، هو عامل توصيل “ديليفري”.
المشكلة أن من يدّعي أنه يريد بناء الدولة، وهو قائد حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، هو أول من تمرّد على الدولة ومجريات التحقيق.
ومن يدّعي أنه تحت سقف القانون، كذّب الجيش اللبناني وكاد أن يخوّنه.. أو ربما فعل.
ومن يستثمر بـ”الوطنية”، لم يلقِ اللوم للحظة واحدة على العدو الإسرائيلي، بل إنه راح أبعد من ذلك، وبرّأ “إسرائيل” من دم الشهداء الثلاثة، معتبراً أن ثأره مع “حزب الله” لا مع “إسرائيل”!
ما المطلوب اليوم؟ حرب أهلية؟ انقسام داخل الجيش اللبناني؟
هل فعلاً لا تمانع “القوات” ومن معها، هدم الوطن على رأس شعبه لأجل غايات ومصالح سياسية خاصة؟
هل المطلوب أن يقوم الشعب بطرد أشقائه، وتطبيق الفدرالية بالقوة كونها لم تطبق بالمجلس النيابي؟
“القوات” التي تعتبر أنها لا يمكنها أن تغفر لـ”حزب الله” اغتيال شخص من أبنائها بصواريخ إسرائيلية، هي ذاتها تدعو مجتمعاً بأكمله، مثقلاً بالجراح، إلى نسيان آلامه وشهدائه.
“القوات” التي لم تتمكن من تخطي خلاف سياسي ودعت لـ”العداء” مع مكون لبناني، تريد من مجتمع كامل، أن يدوس على تراب لم ينشف بعد من الدماء، ويعض على جرح ما زال نازفاً، ويفتح صفحة جديدة مع عدو قتل أبناءه، وهدّم بيوته وأحلامه.. فأي “انفصام” سياسي ـ وطني ـ إنساني تعيشه “القوات اللبنانية”؟!
خلود شحادة
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :