من يريد التفاوض؟

من يريد التفاوض؟

 

Telegram

سعادة مصطفى أرشيد

دخلت الحرب الأميركية ــ “الإسرائيلية” على إيران أسبوعها السادس، ولا بوادر تشير إلى نهايات قريبة أو محتملة لها، وإنما تذهب معظم المؤشرات إلى أنها ستتواصل وستتسع ميادينها بدخول جبهات جديدة. فيما ينتظر العالم صباح اليوم الثلاثاء، ولكن بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، حيث سيدخل إنذار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للجمهورية الإسلامية، بالويل والثبور وعظائم الأمور، حيّز التنفيذ في حال لم تستجب إيران لشروطه الـ15 التي تعني الاستسلام الكامل. ولكن لا تبدو الأمور في إيران تشير إلى أن فرائص الدولة ترتعش خوفاً من هذا التهديد، بمقدار ما تبدي جاهزية لهذا الاحتمال واستخفافاً بأقوال الرئيس الأميركي الذي جاوز كل من قبله من الرؤساء والقادة في تناقض أقواله وتصريحاته.

وإذا كانت هذه تهديدات دونالد ترامب وعنترياته، إلا أنه في الوقت ذاته لا يزال يطالب بوقف إطلاق النار، ويطالب دولاً مثل باكستان وتركيا بإقناع الإيرانيين بوقف هذه الحرب. لكن طهران، التي لا تزال ترى نفسها الأقوى، وخاصة في قدرتها على الاحتمال، تتريّث في ردودها الباردة على عروض التفاوض. وفي حين يستنفد ترامب ونتنياهو رصيدهما في بنك الأهداف بعد ضرب 18 ألف هدف في إيران، دون أن تتوقف إيران عن تسديد ضرباتها الصاروخية، ودون أن يُفتح مضيق هرمز للملاحة إلا بالقدر الذي تريده طهران، ودون أن تبدي استعجالاً للدخول في مفاوضات، لا يزال ترامب يظن أن إيران من الممكن أن تستسلم وتقبل بشروطه. فهل يستقيم ذلك مع العقل السليم، وإيران في موقفها القتالي القويّ هذا؟

ظن ترامب أنه يستطيع كسب الحرب، هو وصديقه بنيامين نتنياهو، خلال بضعة أيام، ثم خلال ثلاثة أسابيع مُدِّدت إلى أربعة أسابيع، فخمسة أسابيع، وظنّ أنه بخوض هذه الحرب التي تقتصر عليهما يجعل منهما الجديرين بحصاد مكاسبها وأرباحها، ودون مشاركة الغرب وحلفائه في حلف شمال الأطلسي، ودون خسائر أو أكلاف عالية. ولكن عندما سارت الأمور باتجاهاتها الحالية، عاد ترامب يريد أن يشاركه الأوروبيون، ولكن بخسائرها دون أرباحها، الأمر الذي رُفض تماماً من قبل الإسبان والفرنسيين والطليان والدنماركيين ومعظم الأوروبيين، وتجاوز رفضهم المشاركة عدمَ سماحهم للطائرات الأميركية المقاتلة أو حاملة الذخائر بالمرور عبر بلادهم إلى ميدان المعركة. كما أن تركيا وباكستان تعرفان أن سقوط إيران يجعلهما الفريسة المقبلة للثنائي الأميركي “الإسرائيلي”.

يرى، أو يدّعي، دونالد ترامب أن النظام القديم في إيران قد سقط، وأن نظاماً جديداً أكثر اعتدالاً قد أصبح في موقع القرار. فإذا كان ذلك كذلك، فلماذا إذاً يريد ضرب هذا النظام المعتدل حسب رأيه؟ مع أن الجميع، باستثنائه، يعرفون أن النظام في طهران لم يتغير، وإنما قد ازداد تشدداً وإصراراً على الاستمرار في هذه الحرب، وأن الذي تغيّر هم وزراء في الإدارة الأميركية وجنرالات في الجيش الأميركي، وعلى رأسهم الجنرال ديفيد هوجن، رئيس هيئة الأركان.

ولكن ماذا لو نفذ دونالد ترامب تهديده بضرب محطات الطاقة والجسور وغير ذلك من أهداف حيوية في إيران، وعمل على إعادتها، حسب مفرداته، إلى العصر الحجري؟ فلا شك في أن التصعيد يستدعي التصعيد المقابل، وهذا التصعيد قد تكون الولايات المتحدة بعيدة جغرافياً عن مجالاته، إلا أن مصالحها في المنطقة وحلفاءها على الشاطئ المقابل للخليج، أو في فلسطين المحتلة، هم مَن سينالون القدر الأكبر من الردود الإيرانية المقابلة.

لكن هل هناك في العالم، أو في الولايات المتحدة، مَن يذكّر الرئيس الأميركي بالحرب العراقية الإيرانية عام 1980، وذلك عندما كانت إيران في أضعف حالاتها، وكان العراق في أقوى وأفضل حالاته عسكرياً واقتصادياً، ومدعوماً من تسعة أعشار العالم بالمال والسلاح والمعلومات، ومعه طابور خامس يعمل داخل الأراضي الإيرانية ممثلًا في مجاهدي خلق وحزب تودة وغيرهم؟ إذ إن العراق، بعد سنتين من الحرب، وعندما كان لا يزال يحتلّ أرضاً في إيران تتجاوز الأهواز، أخذ صدام حسين يطالب بوقف إطلاق النار ويرسل الوسطاء تلو الوسطاء منذ عام 1982، مؤكداً استعداده للعودة إلى اتفاقية الجزائر التي وقّعها مع شاه إيران قبل وصول آية الله الخميني إلى سدة الحكم. ولكن إيران الضعيفة في حينه لم تستجب لكل تلك العروض وواصلت القتال حتى النهاية، فكيف لها أن تستجيب لوقف إطلاق النار بشروط الاستسلام المطلق والبنود الأميركية الـ15، وهي بهذه القوة والكفاءة؟

هذه الحرب كشفت، وستكشف، الوجه الحقيقي للولايات المتحدة الأميركية خصوصاً، وللنظام الغربي عموماً، ليظهر على حقيقته، إذ لا قيمة للأخلاق ولا لقيم الحرية والديمقراطية، ولا يمكن لأي مساحيق تجميل أن تعالج هذه الصورة الحقيقية القبيحة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram