خاص "𝐢𝐜𝐨𝐧𝐧𝐞𝐰𝐬
كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
في خضم ما يُعرف بـ"معركة العصف المأكول"، يتبيّن أن المقاومة لا تخوض حربًا تقليدية تُقاس بمعايير السيطرة على الأرض أو الدفاع عن خطوط تماس ثابتة، بل تعتمد نهجًا مغايرًا يقوم على تكتيكات الكرّ والفرّ، وتفعيل مجموعات صغيرة قادرة على إرباك العدو واستنزافه تدريجيًا. هذه المقاربة تنقل المعركة من كونها مواجهة مباشرة إلى حرب أعصاب طويلة الأمد، تُنهك الخصم بدل أن تمنحه فرصة الحسم السريع.
في هذا السياق، لا تبدو المقاومة معنيّة بمنع أي تقدّم بري للعدو بشكل مطلق، بل تعمل على تحويل هذا التقدّم إلى عبء ميداني واستنزاف مستمر. فالاشتباك يتم حيث يتقدّم العدو، وتُفرض عليه معادلات قاسية كلما حاول تثبيت وجوده. وقد انعكس ذلك بوضوح في تعثّر الأهداف المعلنة منذ الأيام الأولى، حيث انتقل الخطاب الإسرائيلي من الحديث عن اجتياح واسع إلى محاولة احتواء تداعيات المواجهة.
الاستراتيجية الأبرز هنا تقوم على منع الاحتلال من الاستقرار، وسلبه القدرة على التمركز، بالتوازي مع توسيع دائرة الاستهداف نحو العمق الخلفي، سواء في المستوطنات أو في مناطق تجمع الجنود. وبهذا، تتحول كل نقطة يتواجد فيها العدو إلى عبء أمني وعسكري، بدل أن تكون مكسبًا ميدانيًا.
في المقابل، يواصل العدو اعتماد سياسة التعتيم على خسائره، في محاولة للحفاظ على سردية الإنجاز. فالإقرار بحجم الخسائر من شأنه أن ينسف الرواية الرسمية ويُضعف الجبهة الداخلية، ما يدفعه إلى تضخيم مكاسب محدودة أو وهمية لتبرير استمرار العمليات العسكرية.
على المستوى السياسي، يشكّل إدراج الجمهورية الإسلامية في إيران للبنان ضمن معادلة وقف إطلاق النار عنصر قوة نوعي. فهذه المقاربة ترفع موقع لبنان التفاوضي، وتمنع عزله عن أي تسوية محتملة. كما أن ربط أي اتفاق بلبنان يضاعف الضغط على الولايات المتحدة لدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نحو وقف الحرب، في ظل رغبة واشنطن بتهدئة الجبهات المفتوحة.
وبخلاف الرواية التي تحاول تصوير لبنان كأداة ضمن صراع إقليمي، تشير المعطيات إلى أن إيران، عبر هذا الربط، تُسهم في حماية موقع لبنان ضمن أي تسوية، لا العكس. ما يعكس تبدلًا في ميزان التفاوض لمصلحة بيروت.
أما على مستوى القيادة الإسرائيلية، فإن بنيامين نتنياهو، الذي سعى بعد حرب 2024 إلى تقديم نفسه كمنتصر وقائد استثنائي، يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف. فالتحديات الميدانية والضغوط السياسية أعادته إلى موقعه الطبيعي كرئيس حكومة يواجه أزمة مركّبة، بدل صورة "الزعيم المنتصر" التي حاول ترسيخها.
في المحصلة، تبدو هذه المعركة أبعد من مجرد مواجهة عسكرية، إذ أسهمت الضربات التي طالت عمق فلسطين المحتلة، بالتوازي مع الأداء الميداني، في إسقاط محاولة صناعة مجد شخصي على وقع الحروب. ومع تصاعد الاستنزاف، يتكرّس مشهد جديد: قائد مأزوم في مواجهة خصم يُعيد تعريف قواعد الاشتباك.
في الكواليس، يُطرح سؤال جوهري: إذا كانت الحرب قد تحوّلت إلى عبء استراتيجي على إسرائيل، فهل يصبح وقفها ضرورة دولية قبل أن يتحوّل هذا الاستنزاف إلى نقطة تحوّل إقليمية أكبر… أم أن الأطراف لا تزال بحاجة إلى جولة إضافية لفرض شروط النهاية؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :