رغم انخفاض عقود نفط برنت اليوم قرب 100 دولار للبرميل، عقب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي أشارت إلى احتمال اقتراب نهاية الحرب مع إيران، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليمين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.
فالتقديرات الصادرة مؤخراً من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضع أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.
وبينما تعكس تحركات السوق اللحظية تفاعلاً سريعاً مع التصريحات السياسية، فإن هذه التوقعات تستند إلى مخاطر فعلية على الإمدادات العالمية، ما يُبقي سوق النفط في دائرة تقلبات حادة، ويضعها أمام عدة احتمالات يغلب عليها الصعود، والتي نستعرض أبرزها في هذا الموضوع:
“FGE”: سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل
في البداية تقول شركة استشارات الطاقة “إف جي إي نكسانت إي سي إيه” (FGE Nexant ECA) فقدرت أن يقفز سعر النفط إلى 150 دولاراً أو 200 دولار للبرميل إذا استمر الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز خلال الأسابيع الستة إلى الثمانية المقبلة بسبب حرب إيران.
قال رئيس مجلس الإدارة الفخري، فريدون فشراكي، في مقابلة مع تلفزيون “بلومبرغ”: “كل أسبوع، هناك 100 مليون برميل من النفط لا تمر، وكل شهر هناك 400 مليون برميل لا تمر. وهذا يعني أنه خلال فترة معينة ستتشكل خسائر هائلة في السوق”.
تتوافق تحليلات مجموعة “ماكواري غروب” (Macquarie Group) أيضاً مع توقعات “إف جي إي”، إذ ترى أن أسعار النفط قد ترتفع إلى مستوى قياسي يبلغ 200 دولار للبرميل إذا استمرت حرب إيران حتى يونيو، مع بقاء مضيق هرمز مغلقاً.
كتب محللو الشركة، بمن فيهم فيكاس دويفيدي، في مذكرة أن امتداد الصراع إلى الربع الثاني قد يدفع الأسعار الحقيقية إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، في سيناريو يمنحونه احتمالاً عند 40%.
وذكر المحللون في تقرير بتاريخ 27 مارس أن “استمرار إغلاق المضيق لفترة طويلة سيدفع الأسعار للارتفاع بما يكفي لتدمير الطلب العالمي الضخم التاريخي على النفط”.
“بلومبرغ إيكونوميكس” تتوقع قفزة السعر حتى 164 دولاراً
تقدر “بلومبرغ إيكونوميكس” أن سعر برميل النفط قد يقفز إلى ما يُناهز 140 دولاراً إذا امتد الصراع إلى البحر الأحمر، كما تقول إن حرب إيران مسؤولة عن نحو ثلث سعر النفط الحالي (علاوة المخاطر).
وتشير تقديرات المؤسسة إلى أن إغلاق مضيق هرمز لمدة شهر واحد قد يدفع سعر النفط إلى نحو 105 دولارات للبرميل. أما إذا استمر الإغلاق ثلاثة أشهر، فقد يرتفع سعر الخام إلى نحو 164 دولاراً للبرميل.
وتوقعت أن يصعّد الحوثيون الهجمات لو استمرت الحرب، أو اتخذت الولايات المتحدة خطوة تشكل تصعيداً كبيراً – بما في ذلك عبر عملية برية في إيران، حيث يمكن أن يستهدف الحوثيون حينها الشحن في البحر الأحمر والبنية التحتية للطاقة في الدول الخليجية المجاورة.
“بلومبرغ إن إي أف” ترجح وصول البرميل إلى 154 دولاراً
رسمت “بلومبرغ إن إي أف” مساراً لأسعار خام برنت خلال عام 2026 وربطته بشكل مباشر بتوقيت إعادة فتح مضيق هرمز، إذ ترتفع التوقعات إلى ذروتها عند نحو 154.4 دولار للبرميل في يونيو في حال استمرار إغلاق المضيق حتى منتصف العام، قبل أن تبدأ بالانخفاض التدريجي مع عودة الملاحة.
في المقابل، تقل حدة الصعود كلما تم فتح المضيق مبكراً، حيث تبلغ الأسعار نحو 123.7 دولار في مايو إذا عادت الملاحة في منتصفه، وقرابة 106.7 دولار في أبريل في حال الفتح المبكر. كما يعكس الرسم أن الأسعار تعود للهبوط إلى نطاق يتراوح بين 61 و70 دولاراً بحلول نهاية العام في جميع السيناريوهات، ما يشير إلى أن الصدمة السعرية تظل مؤقتة لكنها تعتمد بشكل حاسم على مدة تعطل الإمدادات عبر أحد أهم الممرات النفطية في العالم. وتبنى “سوسيتيه جنرال” سيناريو مشابه مرجحاً حدوث “قفزات موثوقة” في أسعار الخام ليصل إلى نحو 150 دولاراً للبرميل.
“غولدمان” يرفع تقديراته لسعر النفط في 2026
رفع بنك “غولدمان ساكس” توقعاته لأسعار النفط في 2026 بسبب استمرار تعطل التدفقات عبر مضيق هرمز، الذي وصفه بأنه أكبر صدمة إمدادات على الإطلاق في أسواق الخام العالمية.
وتوقع محللو البنك في مذكرة أن يبلغ متوسط سعر خام “برنت” 85 دولاراً للبرميل في 2026، ارتفاعاً من توقع سابق عند 77 دولاراً. كما عززوا توقعات كامل العام لخام “غرب تكساس” الوسيط إلى 79 دولاراً من 72 دولاراً.
“سيتي غروب” يغير توقعات للنفط 3 مرات في شهر واحد
أصدر بنك “سيتي غروب” 3 توقعات لسعر النفط في شهر مارس منذ انطلاق الحرب، وربطها بوتيرة تطور الصراع، كالآتي:
في 2 مارس، قال البنك إنه إذا تعرضت البنية التحتية النفطية في المنطقة لهجمات، فقد ترتفع الأسعار إلى 120 دولاراً للبرميل، مع تقدير احتمال هذا السيناريو عند 20%.
ثم توقع في 11 مارس أن تتحرك الأسعار في نطاق بين 80 إلى 100 دولار للبرميل على مدى أسبوع إلى أسبوعين.
وفي 18 مارس أعلن مجدداً توقعاته قصيرة الأجل لأسعار النفط، مرجحاً أن يتراوح سعر خام برنت بين 110 و120 دولاراً للبرميل في المدى القريب جداً، في ظل استمرار الحرب الأوسط وتعطل تدفقات الإمدادات عبر مضيق هرمز. واستند هذا التقدير إلى افتراض تهدئة الصراع بحلول منتصف إلى أواخر أبريل الجاري.
ووسط هذه التوقعات المتلاحقة، فاجأ خام برنت الأسواق وصعد قرب 120 دولار للبرميل بالفعل في 16 مارس مسجلاً أعلى مستوى له في 4 سنوات تقريباً.
“ستاندرد تشارترد” يرفع سقف التوقعات
رفع بنك “ستاندرد تشارترد” توقعاته أيضاً لمتوسط سعر برنت لعام 2026 إلى 85.5 دولار للبرميل، مقارنة بـ70 دولاراً سابقاً، مشيراً إلى أنه “على الرغم من التصريحات المتفائلة الصادرة عن الولايات المتحدة بشأن المدة المحتملة للصراع، لا يبدو أن هناك أي مخارج واضحة في الوقت الراهن”.
قال روبرت ريني، رئيس أبحاث السلع في بنك “ويستباك بانكينغ غروب”، إنه “في ظل غياب أي نهاية في الأفق للأعمال القتالية، وارتفاع عمليات توقف الإمدادات يومياً، وإغلاق المضيق عملياً، نرى أن خام برنت مرشح للاستقرار ضمن نطاق سعري جديد أعلى يتراوح بين 95 و110 دولارات للبرميل”.
وأضاف: “في حال شهدنا استهداف منشأة تكرير رئيسية، أو تأكيد زرع مزيد من الألغام في المضيق، نتوقع أن يرتفع هذا النطاق السعري بمقدار إضافي يتراوح بين 10 و20 دولاراً”.
“بنك أوف أميركا”.. أسعار بين 85 و70 دولار للبرميل
كان “بنك أوف أميركا” متحفظاً في توقعاته لأسعار الخام إلى حد كبير مقارنة بزملائه من البنوك الاستثمارية، حيث رفع توقعاته لسعر خام برنت لعام 2026 إلى 77.5 دولار للبرميل فقط، مقارنة بـ61 دولاراً سابقاً، مشيراً إلى أن التعطل الفعلي في الملاحة عبر هرمز حجب بالفعل ما يقرب من 200 مليون برميل من السوق، وساهم في سحب المخزونات بوتيرة أسرع من المتوقع.
ويرى البنك سيناريوهين رئيسيين متساويين في الاحتمال: الأول: يتمثل في حل سريع للأزمة يعيد تدفقات النفط بحلول أبريل ويخفض الأسعار إلى نحو 70 دولاراً.
والثاني: يتضمن استمرار الاضطراب حتى الربع الثاني، ما قد يدفع الأسعار نحو 85 دولاراً.
تصريحات ترمب وإدارته تربك أسعار النفط
يتضح من التوقعات أعلاه أن هناك اتجاهاً صعودياً عاماً في توقعات بنوك الاستثمار لسوق النفط، لكن على أرض الواقع وفي الأسواق هناك تقلبات حادة في الأسعار، ويعزى جزء كبير من هذا التقلب إلى تصريحات ترمب المتذبذبة حيث ينعكس تغير نبرته على معنويات السوق بشكل ملحوظ.
كما تتسم تصريحات إدارته بالارتباك أيضاً، فرغم تمسك بعض مسؤولي البيت الأبيض بتوقعاتهم الهبوطية للخام حتى الآن عندـ 50 إلى 60 دولاراً لاحقاً هذا العام، إلا أن البعض الآخر قالوا في 26 مارس لبلومبرغ إنهم يدرسون سيناريو ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تصل إلى 200 دولار للبرميل، وما قد يعنيه ذلك للاقتصاد.
لكن المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي سارع إلى تكذيب هذه الرواية ووصفها بأنها “غير صحيحة”. مضيفاً: “في حين تقوم الإدارة دائماً بتقييم سيناريوهات مختلفة للأسعار والتأثيرات الاقتصادية، فإن المسؤولين لا يدرسون احتمال وصول النفط إلى 200 دولار للبرميل”.
أما إدارة معلومات الطاقة الأميركية فتوقعت في يوم 10 مارس أن تظل أسعار خام برنت فوق مستوى 95 دولاراً للبرميل خلال الشهرين المقبلين، قبل أن تنحدر إلى ما دون 80 دولاراً في الربع الثالث من عام 2026، لتستقر عند حوالي 70 دولاراً بحلول نهاية العام.
تحذيرات إقليمية ودولية من قفزة اسعار النفط
داخل منطقة الشرق الأوسط تظهر تحذيرات مشابهة لما تبنته بنوك الاستثمار العالمية، حيث حذّر وزير الطاقة القطري سعد بن شريدة الكعبي من أن استمرار حرب إيران قد يجبر بعض مُصدري النفط والغاز في الخليج على وقف الإنتاج خلال أسابيع، ما قد يدفع أسعار النفط إلى حدود 150 دولاراً للبرميل.
وفي حوار مع “فايننشال تايمز” في 6 مارس الماضي، توقع الوزير أن تقفز أسعار النفط الخام إلى 150 دولاراً للبرميل خلال أسبوعين إلى ثلاثة إذا تعذر مرور ناقلات النفط والسفن التجارية الأخرى عبر مضيق هرمز، الذي يعبر منه خُمس تجارة النفط والغاز العالمية.
ودولياًً، أشارت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا أن كل زيادة بنسبة 10% في أسعار النفط، إذا استمرت طوال معظم العام، قد تضيف نحو 40 نقطة أساس إلى التضخم العالمي، لافتة إلى أنه إذا طال أمد الأزمة الحالية قد ينعكس أيضاً على ثقة الأسواق وآفاق النمو، بحسب ما أوردته “رويترز”.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :