كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
في كل مرة تتصاعد فيها المواجهة في الإقليم، تتكرّر "الروايات الجاهزة" نفسها، كما في الإعلان البحريني الأخير عن خلية مزعومة، في توقيت لا يمكن فصله عن سياق إقليمي شديد التعقيد. اتهامات تُطلق بسرعة، وتتجه بوصلة أصابعها فورًا نحو جهة واحدة، من دون مسار واضح للتحقيق أو أدلة علنية، ما يعكس نمطًا سياسيًا يتقدّم فيه القرار على الحقيقة.
هذا المشهد يتقاطع مع تموضع بعض الدول الخليجية ضمن الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، في لحظة يُعاد فيها رسم التوازنات على وقع الصراع مع إيران. لكن الأخطر يبقى في كيفية تلقّي هذا المشهد داخل لبنان.
هنا، برز أداء وزير الخارجية القواتي يوسف رجي، الذي سارع إلى تبنّي الرواية البحرينية وإدانتها، من دون أي مقاربة تدقيقية أو انتظار نتائج تحقيق مستقل. هذا السلوك ليس تفصيلًا دبلوماسيًا عابرًا، بل يعكس خللًا بنيويًا في فهم موقع لبنان ومصلحته، ويطرح تساؤلات حول استقلالية القرار السياسي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية.
ولم تكن هذه السقطة الأولى. فمن ملف طرد السفير الإيراني، إلى سلسلة مواقف متسرّعة، يتكرّس نمط من الانخراط غير المحسوب في محاور خارجية، يُقحم لبنان في صراعات لا قدرة له على تحمّل تبعاتها.
بالتوازي، يبرز مشهد داخلي لا يقل خطورة، حيث تتقدّم محاولات فرض واقع سياسي–أمني جديد، يتجلّى في ما يعتبره خصومه "استحواذًا سياسيًا" على مفاصل حساسة في الدولة، وفي مقدّمها وزارة الخارجية، بما يعكس نفوذ حزب القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، الذي يذهب في خطابه السياسي إلى مستويات تصعيدية عالية، تُترجم في مواقف حادّة تجاه سلاح المقاومة ودورها,ناهيك عن غرز خنجره في ظهر الجيش الوطني وقائده الشجاع العماد رودولف هيكل
غير أنّ كل هذا الضجيج السياسي يصطدم بحقيقة أخرى تُكتب بعيدًا عن المنابر.
في الجنوب، وعلى تماس مباشر مع التهديدات، تفرض المقاومة حضورها كعامل حاسم في إعادة صياغة التوازنات. لم يعد دورها محصورًا في إطار ردعي تقليدي، بل تحوّل إلى عنصر فاعل في فرض معادلات جديدة، أعادت ترتيب المشهد الميداني، وفرضت وقائع تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
هذه التحولات الميدانية، التي كُتبت بتضحيات كبيرة، لم تُسقط فقط رهانات سابقة، بل أعادت تعريف مفهوم القوة داخل لبنان وخارجه. فبعد حرب 2024، لم تعد المعادلات كما كانت، ولم يعد بالإمكان القفز فوق حقيقة أنّ الميدان بات شريكًا مباشرًا في صياغة القرار.
وهنا، يتكشّف التناقض الكبير: بين خطاب سياسي يرفع شعارات "حصر السلاح بيد الدولة"، وبين واقع ميداني أثبت أنّ معادلة الحماية والردع لا تُبنى بالشعارات، بل بالفعل والقدرة.
لبنان اليوم يقف أمام لحظة مفصلية، حيث لم يعد ممكنًا إدارة التناقض بين السياسة والميدان إلى ما لا نهاية. فإمّا الاعتراف بالتحولات الجارية وإعادة بناء مقاربة وطنية متماسكة، أو الاستمرار في سياسة الإنكار، مع ما تحمله من مخاطر الانزلاق إلى خيارات لا تُشبه لبنان.
في السياسة، لكل مرحلة رجالها، ولكل ظرف أدواته ومقارباته. خلال مرحلة دقيقة، اختار الامين العام السابق الشهيد الاقدس السيد حسن نصر الله نهج الاستيعاب، فاحتوى أصواتًا حادّة ونشازًا سياسيًا، واضعًا تماسك الداخل فوق أي اعتبار، إيمانًا منه بأنّ وحدة الجبهة الداخلية شرط أساس في مواجهة الأخطار.
لكن مع تبدّل الظروف، وتحوّل موازين القوى، يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل يستمر هذا النهج كما هو، أم أنّ المرحلة الجديدة، بقيادة الشيخ نعيم قاسم، ستتّجه نحو مقاربة مختلفة، أكثر وضوحًا وحسمًا، تواكب التحولات الميدانية وتضع النقاط على الحروف؟
بين الاستيعاب والحسم… يُرسم وجه المرحلة المقبلة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :