كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
لم يكن المؤتمر الذي عقده رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في معراب حدثًا سياسيًا عابرًا، بل محاولة واضحة لإعادة رسم التوازنات الداخلية وفق حسابات ضيقة. غير أن المشهد نفسه سرعان ما كشف حدود هذه المحاولة، بعدما كان الغياب السنّي العنوان الأبرز، في دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها.
فعودة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري إلى الانخراط في الحياة السياسية أعادت ضبط إيقاع الساحة السنّية، ووضعت حدًا لمحاولات الاستثمار في الفراغ. وتشير مصادر سياسية إلى أن هذا التحول قطع الطريق أمام محاولات التمدّد داخل هذا المكوّن، باستثناء – كما تقول – من يشبه هذا النهج في الخطاب والخيارات.
غير أن الخطير لم يكن في الحسابات السياسية بحد ذاتها، بل في الانزلاق نحو خطاب تصعيدي بلغ حدّ التصويب على المؤسسة العسكرية. فقد أثار النائب القواتي بيار بو عاصي جدلًا واسعًا بتصريحاته التي قال فيها إن “الجيش ليس فوق المساءلة ولا يمكن استخدامه كغطاء لأي خيار سياسي”، وهو موقف اعتبرته مصادر سياسية تجاوزًا خطيرًا، لأنه يفتح الباب أمام زجّ الجيش في قلب الاشتباك السياسي الداخلي.
وترى هذه المصادر أن الديمقراطية لا تُقاس برفع الشعارات، بل بمدى الالتزام بالمسؤولية الوطنية عند الخطأ. وهنا تفرض الوقائع نفسها بعيدًا عن التبسيط أو الانتقائية. فاستقالة النائب السابق نواف الموسوي لم تأتِ في سياق واحد فقط، بل جاءت نتيجة تراكب عاملين: سجاله السابق داخل مجلس النواب حول الرئيس الأسبق بشير الجميل، وما تبعه لاحقًا من إشكال شخصي تطوّر إلى حادث أمني استدعى تدخله المباشر. ورغم تشابك الأسباب، جاء القرار حاسمًا: استقالة فورية قُدّمت تحت عنوان تحمّل المسؤولية ومنع انعكاس الحادثة على صورة الحزب.
في المقابل، وعندما يُطرح اليوم خطاب يمسّ المؤسسة العسكرية بشكل مباشر، لا نشهد هذا المستوى من الحسم أو المحاسبة، بل تبريرًا والتفافًا، وكأن المعايير تُفصّل وفق الموقع السياسي لا وفق خطورة الفعل.
وهنا بالضبط تتكرّس الإشكالية: ليست في الخطأ بحد ذاته، بل في طريقة التعامل معه… بين من يسارع إلى الاحتواء ولو على حسابه، ومن يصرّ على المكابرة ولو على حساب الدولة.
ولا تتوقف التساؤلات عند هذا الحد، بل تمتد إلى سجلّ سياسي طويل يثير الجدل في الذاكرة اللبنانية. فخصوم جعجع يذكّرون بمحطات يعتبرونها من أكثر الفصول إيلامًا، من أحداث الجبل خلال حرب الجبل (1983–1984) التي انتهت بتهجير واسع للمسيحيين، إلى الصراعات داخل الساحة المسيحية في أواخر الحرب الأهلية اللبنانية، وصولًا إلى المواجهة مع الجيش في حرب الإلغاء (1989–1990) بين القوات والجيش بقيادة العماد آنذاك ميشال عون. وهي محطات، وفق هذا الطرح، تركت ندوبًا عميقة لأنها كرّست الصراع داخل البيت الواحد وأضعفت الدولة.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال موقع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، الذي لطالما شكّل بيضة قبان في المعادلة الداخلية، إذ يرى مراقبون أن جنبلاط، بخلاف منطق التصعيد، يميل في اللحظات المفصلية إلى تغليب التسويات والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، وهو ما ظهر في مواقفه الأخيرة التي تبتعد عن الانجرار إلى أي خطاب يهدد السلم الأهلي أو يفتح جبهات داخلية إضافية. هذا التمايز في المقاربة يعكس، بحسب المصادر، إدراكًا لحساسية المرحلة، في مقابل خطاب سياسي يذهب نحو الحافة بدل التراجع عنها.
في المقابل، برز موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون الذي وضع خطوطًا حمراء واضحة أمام أي محاولة للمساس بالمؤسسة العسكرية، مؤكّدًا وقوفه الكامل خلف الجيش وقيادته. وقد بدا هذا الموقف بمثابة رسالة سياسية حاسمة بأن الجيش ليس ساحة مفتوحة للمزايدات أو الحسابات الحزبية.
لكن اللافت – وربما الأخطر – هو صمت عدد من الأصوات السياسية والإعلامية التي اعتادت الدفاع عن حلفائها، لكنها اختارت هذه المرة الغياب، في وقت تتعرض فيه المؤسسة العسكرية لحملات تصويب داخلية وخارجية متقاطعة.
وترى المصادر أن المرحلة تفرض على رئيس الجمهورية رفع سقف المواجهة السياسية، والتنبيه بوضوح إلى خطورة اللعب بالسلم الأهلي، لأن ترك الأمور في هذا المنحى لن يكون مجرد خلاف سياسي، بل مقامرة بمصير بلد كامل.
في لبنان، لا تختلط الأمور… بل تنكشف.
هناك من يعرف حدود الدولة، فيحمي الجيش حين يُستهدف، ويضبط الخطاب حين يشتعل، ويقدّم الاستقرار على المكاسب.
وهناك من، كلما ضاقت به السياسة، وسّع دائرة النار… فيصوّب على الجيش، ويستحضر الانقسام، ويعيد فتح جراح لم تلتئم.
بين الاثنين، ليس الخلاف في الرأي… بل في مفهوم الوطن نفسه:
هل هو دولة تُصان بمؤسساتها، أم ساحة مفتوحة تُستنزف كل مرة على يد من يفترض أنهم حُماته؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :