وزير الخارجية أثناء تعرّض بلده لعدوان: بين واجبات الدستور ومتطلبات المواجهة الدبلوماسية

وزير الخارجية أثناء تعرّض بلده لعدوان: بين واجبات الدستور ومتطلبات المواجهة الدبلوماسية

 

Telegram

كتبت الدكتورة رشا ابو حيدر 

عندما تتعرّض دولة لعدوان، تتبدّل أولوياتها وتتحوّل الدبلوماسية من فنّ العلاقات الدولية إلى خط دفاع أساسي. وفي لبنان، حيث يقوم النظام السياسي على تشارك السلطة والرقابة المتبادلة، يبرز دور وزير الخارجية كمحور يجمع بين الالتزام الدستوري والقدرة على التحرك الدولي. فالدستور، وإن لم يحدّد مهامه تفصيلاً، يربطه مباشرة بالسياسة الخارجية عبر المادة 54 التي تشترط توقيعه على المراسيم، والمادة 65 التي تجعل مجلس الوزراء الجهة التي ترسم السياسة العامة، ليصبح وزير الخارجية المعبّر الرسمي عن موقف الدولة وقرارها خلال الأزمات.

في لحظة العدوان، يُطلب من وزير الخارجية أن يتحرك بثقل الدولة بأكملها. فيقدّم الشكاوى العاجلة إلى مجلس الأمن استنادًا إلى المادة 35 من ميثاق الأمم المتحدة، ويطلق حملة اتصالات واسعة لتأمين دعم دولي، ويُثبّت الرواية اللبنانية في مواجهة التزوير السياسي والإعلامي. كما تمتد مسؤولياته إلى جولات خارجية على عواصم القرار لإقناع الدول الكبرى بالضغط لوقف العدوان، وحشد مواقف داعمة تحفظ سيادة لبنان وحقه في الدفاع عن نفسه، أو دفعها باتجاه حياد دولي إيجابي يحول دون الانحياز إلى رواية المعتدي.

هنا يكتسب دور وزير الخارجية بعدًا قانونيًا دوليًا، حيث تؤكد المادة 10 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961) أن الدولة المضيفة تتعامل مع ممثلي الدول الأخرى وفق القواعد الدبلوماسية، وفي الوقت نفسه تحدد مسؤولية الدولة المرسلة عن تصرفات بعثاتها. وبناءً عليه، يصبح الوزير اللبناني المسؤول عن ضمان أن جميع البعثات الدبلوماسية تتصرف ضمن الإطار القانوني والدبلوماسي، وأن أي تجاوز أو خرق يُتعامل معه بطريقة موحّدة تحمي كرامة الدولة وسيادتها.

وفي الداخل، يفرض موقعه أن يكون محايدًا وهادئًا فوق الاصطفافات، لأن الدبلوماسية في زمن الحرب تحتاج إلى خطاب موحّد يعكس موقف الدولة لا موقف فريق سياسي. فوزير الخارجية لا يمكنه أن يتحول إلى طرف داخلي أو أن يستثمر العدوان لحسابات سياسية، بل إنّ واجبه الوطني هو أن يجمع، لا أن يفرّق، وأن يقدّم للعالم صورة دولة متماسكة تتكلم بصوت واحد مهما كان عمق الخلافات.

كما أنّ دوره لا يختزل في القرارات الرمزية، مثل طرد سفير عند وقوع خرق سياسي أو دبلوماسي، بينما يتم التغاضي عن تجاوزات سفير آخر في وقت يكون فيه السلم الأهلي مهدّدًا. فالدبلوماسية ليست انتقائية، وكرامة الدولة ليست قابلة للتجزئة. وعندما يتعرض لبنان لعدوان، يُفترض بوزير الخارجية أن يتعامل مع كل البعثات الأجنبية وفق مبدأ واحد: حماية السيادة، احترام العلاقات الدولية، وعدم السماح لأي سفير بتجاوز حدوده أو التدخل في الشؤون الداخلية، بما يتوافق مع ما نصّت عليه المادة 10 من اتفاقية فيينا.

وعلى خط موازٍ، يتحمّل الوزير مسؤولية حماية الجاليات والمؤسسات اللبنانية في الخارج، ومتابعة عمل البعثات الدبلوماسية، وإصدار الإرشادات والتوجيهات التي تضمن سلامة المواطنين. ووفق اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961، يشكّل هذا جزءًا أساسيًا من دوره، لا سيما حين تتحوّل الأزمة الأمنية إلى تهديد مباشر للانتشار اللبناني الواسع حول العالم.

وفي خاتمة المشهد، يبقى وزير الخارجية في زمن الحرب هو حامل الرسالة اللبنانية إلى العالم:

رسالة دولة صغيرة في جغرافيتها، لكنها كبيرة في حقها وسيادتها.

رسالة تقول إن العدوان لا يخيفها، وإن القانون الدولي ليس ورقة، بل سلاح تحمله كما يحمل الجندي سلاحه في الميدان.

وفي زمن تتداخل فيه السياسة بالنار، تصبح الدبلوماسية فنّ حماية الوطن بالكلمة، وإثبات أن الحق، مهما تمت محاصرته، يظلّ أوسع من أي حصار.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram