كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
في لبنان، لم تعد الأزمة مجرّد خلل في إدارة الحكم، بل تحوّلت إلى بنية متكاملة من الانهيار المُنظّم، حيث تُختطف الدولة يوميًا على يد طبقة سياسية لا تحكم بقدر ما تُدير توازنات الخارج. هنا، لا تقوم السلطة على الشرعية الشعبية بقدر ما تستمدّ قوتها من شبكة ارتباطات عابرة للحدود، تجعل من القرار الوطني تفصيلًا صغيرًا في حسابات الآخرين.
منذ ما بعد اتفاق الطائف، لم يُبنَ نظام سياسي حديث، بل أُعيد تدوير الزعامات نفسها داخل قالب أكثر هشاشة، قائم على المحاصصة والزبائنية. عائلات سياسية توارثت الدولة كما لو أنّها إرث عائلي، حيث لم يتغيّر جوهر اللعبة، بل تبدّلت وجوهها، بينما بقيت الدولة رهينة توازنات الطوائف ومصالح الخارج.
في هذا النظام، لا يُقاس السياسي بمشروعه الوطني، بل بمدى قدرته على التموضع ضمن شبكة النفوذ. خطاباته ليست إلا مرايا لصندوق الاقتراع، ترتفع فيها “الوطنية” حين تفيد، وتنخفض حين تتعارض مع المصلحة. السياسي نفسه الذي يُقسم بالسيادة صباحًا، قد يعيد صياغة موقفه مساءً، ليس نتيجة مراجعة فكرية، بل استجابةً لاتصال عابر أو رسالة مقتضبة. لم يعد سرًا أنّ قرارات مفصلية في البلد تُصاغ خارج المؤسسات، وأنّ مشهد الاستشارات النيابية، كما حدث عند تسمية نواف سلام، لم يكن سوى عرضٍ مكشوف لسياسة تُدار من خلف الستار، حيث تتبدّل الأسماء بتبدّل الإشارات.
مهما انعقدت مؤتمرات وملتقيات، طالما بقيت مبنية على الشرذمة والنيل من منعة الدولة، ستظل تجتر خطابها الطائفي المقيت بلا توقف، خطاب لا يفرز إلا تفكك المجتمع وتراجع البلد. كل لقاء مزخرف بالبيانات الرسمية لا يعدو أن يكون مسرحية، وكل تصريح وُضع في الإعلام لا يفعل شيئًا سوى تعزيز مصالح الفئات الضيقة، بينما تبقى الدولة عاجزة عن حماية نفسها وشعبها. هذا هو لبنان اليوم: أرض منقسمة، نخبة مُرهقة، وسيادة منهوبة.
وسط هذا الخراب السياسي والانقسام، يظل الجيش اللبناني صمام الأمان وحامي السلم الأهلي، وقائده مثالًا على الوطنية في حماية البلد، إلا أنّ مواقفه لم تسلم من سموم مدفوعي الأجر من المنظومة السياسية والإعلامية، التي تحاول تحجيم دوره أو التشويش عليه. في المقابل، تبرز المقاومة في مواجهة العدو، وسطر أبطالها على الأرض ملاحم وشجاعة لم تتوقف، بينما تضحيات الشهداء لم تسلم من خناجر بعض من داخل المشهد السياسي نفسه، حتى أنّ بعض تصريحاتهم باتت تتقدم على تصاريح العدو أحيانًا، مكشوفة نواياها في ضرب الردع الوطني.
والمأساة الأكبر أنّ المنظومة الخاضعة للأجندات السياسية والإعلامية، عندما يواصل العدو ارتكاب جرائمه، وقتله للأطفال والأهالي وهدم المنازل، تبلع لسانها. لا نسمع منها أي إدانة للعدو، بل تُبرّر أعماله وتضع اللوم على المقاومة، محاولةً إعادة كتابة الواقع وإخفاء حقيقة البطولات والتضحيات التي تصنع الردع على الأرض.
الأخطر أنّ هذا الانكشاف السياسي يترافق مع ماكينة إعلامية ممولة، تعمل بلا مواربة على إعادة تشكيل الوعي العام، لا لبناء الدولة، بل لتكريس انهيارها. تُشيطن عناصر القوة، وتُحرّف الأولويات، في محاولة مكشوفة لضرب أي مفهوم للردع الوطني، في وقت لم تُخفِ فيه الحكومة الإسرائيلية، عبر تصريحات قادتها من بنيامين نتنياهو إلى غيره، أطماعها التوسعية ولا مشاريعها المفتوحة على خرائط تتجاوز حدود الواقع.
وهنا، ينفجر التناقض الأكبر:
دولة عاجزة عن توثيق انتهاكات قرار مجلس الأمن 1701 بشكل منهجي، وعاجزة عن فرض سيادتها، لكنها في الوقت نفسه بارعة في إدارة الانقسام الداخلي. انقسام لم يُعالَج يومًا، بل جرى الاستثمار فيه، بين من يرى في سلاح حزب الله عنصر ردع، ومن يعتبره تهديدًا، ومن يتعامل مع العدو كأمر واقع.
من حرب الأرقام السياسية إلى الصراعات الداخلية على الحقائب والمناصب، يثبت لبنان أنّ النظام الذي يُعلي المصلحة الشخصية على المصلحة العامة محكوم عليه بالفشل. وكل خطاب يُروّج للوحدة الوطنية من دون إصلاحات فعلية هو مجرد واجهة لتغطية انهيار الدولة، كما شهد التاريخ مرارًا منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى اليوم.
في هذا الواقع، يبرز التدخل الخارجي كعامل حاسم في رسم ملامح القرار الوطني. لم تعد السيادة اللبنانية صعبة التحقيق فحسب، بل أضحى القرار السياسي رهينة للمعايير الإقليمية والدولية، ما يخلق حالة من الضعف المزمن ويضعف أي محاولة لبناء مشروع وطني مستقل.
الحقيقة القاسية التي يهرب منها الجميع، أنّ لبنان لا يُحكم… بل يُدار.
ولا يُدار من مؤسساته… بل من خارجه.
الأزمة ليست في أسماء تمرّ وتُستبدل، بل في نظام يُعيد إنتاج التبعية كشرطٍ للبقاء في السلطة. كل حديث عن إصلاح داخل هذه المنظومة ليس إلا محاولة تجميل لهيكل متصدّع من أساسه.
الحل ليس في تسويات مؤقتة، ولا في خطابات مرتفعة السقف، بل في كسر القاعدة التي تُنتج هذا الواقع. قانون انتخابي يجعل لبنان دائرة واحدة على أساس النسبية ليس تفصيلًا تقنيًا، بل تهديد حقيقي لمنظومة قامت على تفتيت الناس لضمان السيطرة عليهم.
لكن، في العمق، تبقى الحقيقة الأكثر إيلامًا:
ليس كل من يرفع شعار الدولة يريد قيامها…
وليس كل من يتحدّث عن السيادة مستعدًا لدفع ثمنها.
في لبنان، المشكلة لم تعد في غياب الحل…
بل في غياب الإرادة لولادته.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :