كتبت اورنلا سكر
يبدو خطاب لقاء معراب في ظاهره متماسكًا، لكنه في جوهره يفتقر إلى الفاعلية، إذ يقوم على اتهام سياسي غير موضوعي يستثمر في الأزمة بدل أن يقدّم حلولًا واقعية. عمليًا، تعكس هذه المواقف خلفية أعمق تتمثل في تكريس لبنان كساحة نزاع للآخرين، في ظل غياب القدرة الفعلية على ضبط الصراع أو احتوائه، وتحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات بين إسرائيل وإيران.
يشير سمير جعجع إلى أنه سبق أن نصح الأطراف بتسليم أسلحتهم لتفادي المجازر والدمار ومنع تحويل لبنان إلى نموذج مشابه لغزة. غير أن الإشكالية لا تكمن في هذا الطرح بحد ذاته، بل في السياقات السياسية والإخراجات التي تُطرح ضمنها مسألة الحل. فخطابه لا يقدّم رؤية عملية متكاملة لمشروع إنقاذ حقيقي، بقدر ما يعكس نزعة نحو استدعاء التدخل الخارجي، بما في ذلك الإسرائيلي، من خلال التأكيد على عجز الدولة عن معالجة ملف حزب الله.
في المقابل، لم يظهر منذ البداية أي مسار سيادي واضح اتخذته الدولة وتم تطبيقه بفعالية، سواء على مستوى فرض هيبتها في الداخل أو على مستوى بلورة خيارات استراتيجية. هذا العجز لا يبدو مجرد خلل ظرفي، بل يعكس نمطًا مستمرًا من إدارة الأزمة بدل حلّها، وهو ما يسهم في تأجيج الانقسامات الداخلية ويفتح المجال موارباَ ٓأمام سيناريوهات تفككية بدل تثبيت الدولة.
السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا: هل تم الاتفاق فعلًا على طبيعة الدفاع في لبنان؟ هل هو مسؤولية الدولة حصراً، أم هو شراكة بين “الدولة والمقاومة”؟
تكشف الوقائع أن الدولة اللبنانية لا تفتقر فقط إلى القدرة، بل إلى الإرادة السياسية لحسم هذا الملف، إذ تعتمد نهج “ربط النزاع” بدل معالجته. فلو كانت جادة، لبادرت إلى توثيق الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب منذ صدور قرار مجلس الأمن 1701، ولتحركت دبلوماسيًا وقانونيًا بشكل منهجي لتثبيت حقوقها.
كما أن مسار الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية بين عامي 2006 و2012 انتهى بلا نتائج ملموسة، ما يعكس عجزًا بنيويًا عن إنتاج توافق وطني حول مفهوم الدفاع. وقد تجلّى هذا الفشل في الانقسام الحاد بين من يرى في سلاح حزب الله عنصر ردع في مواجهة إسرائيل، ومن يعتبره تهديدًا مباشرًا لسيادة الدولة ، ومن لا يرى اسرائيل اساسا عدو. هذا التباين لم يُعالَج، بل جرى الالتفاف عليه عبر إبقاء المفاهيم ملتبسة ومفتوحة على التأويل.
كذلك، كان من المفترض أن تعمل الدولة على بلورة استراتيجية دفاعية واضحة، تحدد فيها بشكل صريح أن قرار الدفاع ومواجهة أي عدوان هو حصري بيدها. إلا أن إبقاء هذه المسألة غامضة يعكس شراكة ضمنية بين مختلف الأطراف في إبقاء لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
حتى الآن، لا يزال قرار الحرب فعليًا خارج إطار الدولة، في ظل عجزها أو عدم رغبة بعض القوى في تمكينها، ما يكرّس واقعًا يسمح بتبرير التدخلات الخارجية بدل العمل على ضبط
الصراع وحلّه وترسيخ سيادة الدولة.
الخلاصة:
الإخفاق الحقيقي ليس أن الدولة فشلت في منع الحرب، بل أنها لم تبنِ نفسها أصلًا كدولة قادرة على منعها. كما أن التلاعب بالمفاهيم والسياقات لا يعكس فقط أزمة سيادة، بل يكشف أيضًا عمق الأزمة الطائفية، حيث يُعاد إنتاج فكرة أن الحل يكمن في استدعاء الخارج بدل بناء الدولة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :