في فيلم أكشن أمريكي رديء، يقول رئيس العصابة المرعب للبطل الذي يحب الخير ويطارد الأشرار: "لو كنّا بلاداً.. سأكون أنا الولايات المتحدة وأنت دولة إسكندنافية كئيبة"، هذا مدخل جيد للكتابة عن بلاد أتت على كل المفاهيم وغيرت التاريخ والجغرافيا وعلوم الاجتماع، بقصد أو دون قصد، وأعادت تصدير كل شيء، بدءاً من الأغاني والآداب وانتهاءً بالصحافة والحروب.
ولأنني مهزوم ومن دول لم تباركها أمريكا، كان لا بدّ لي من الاصطدام مع هذه البلاد كفكرة وإخراج وإنتاج مثل 90% من سكان العالم، ذلك أنها انتهت فكرتها كحلم بشري كما نشأت وانزاحت لتصبح غولاً مفترساً لا ماء في وجهه، أو كما قال هانتر طومسون الهائل: "أمريكا مجرد أمة من مئتي مليون تاجر سيارات مستعملة، نمتلك كل الأموال التي نحتاجها لشراء الأسلحة، ولا نتردد في قتل أي شخص في العالم يحاول إزعاجنا"، وهو ذات ما قاله دوغلاس آدمز: كندا تشبه امرأة ذكية في الخامسة والثلاثين من عمرها. أما أمريكا فهي تشبه فتىً مراهقاً (أزعر).
ولعل هذه البلاد نالت أكبر قدر من المراجعات الفلسفية والسياسية والأدبية والفنية في التاريخ البشري، وبحيادٍ -أكزّ على أسناني وأنا أقول ذلك- لقد أسست للكثير من الديمقراطية التي أصبحت لاحقاً أداة افترست صانعها، كما قدمت الكثير خفة الدم واللمّاحية والحريات والثقافات، خاصة في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، إذ خرجت أمريكا منتصرةً، غنية، لم تتعرض لأذى يذكر، منتشيةً بفكرة سيادة العالم الاقتصادي والسياسي والثقافي، رغم قنابلها على اليابان التي خدشت قيمها الأخلاقية ومواثيق دستور تأسيس البلاد. وهو ما دفع أوسكار وايلد أن يقول: "أمريكا هي الدولة الوحيدة التي انتقلت من الهمجية إلى الانحطاط دون مرور الحضارة بينهما"، وأن يقول فرويد: "أمريكا خطأ فادح".
إن هذه اللمّاحية وتلك الحرية والقوة، ما لبثت أن جنحت عن مسارها، فحولت اللمّاحية إلى حمقٍ وبلادة فكرية عامة، وصيّرت القوة مبرراً للهمجية في كوكب يقوده اليوم قطاع الطرق الصفيقون والعنجهيون؛ وهو قول يوهان موست بصيغة أخرى: "من ينظر إلى أمريكا سيرى أنها سفينة تُحرّكها الحماقة والفساد والتعصب"، أو وصف جوني ميتشل: "أمريكا في وضع قطارٍ جامحٍ يجرّ العالم بأسره معه. إنها مريضةٌ عقلياً بشكلٍ بشع".
ومن اللافت جداً أن كل من كتبوا عن أمريكا أو زاروها، أكدوا على سذاجة السواد الأعظم من الأمريكيين وندرة ثقافتهم العامة، يقول جيرمي كلاركسون: "إذا كنت تفكر في القدوم إلى أمريكا، فهذا ما ستجده: لديك فندق كومفورت إن، ولديك مطعم ريد لوبستر حيث تأكل. الجميع بدناء للغاية، والجميع أغبياء للغاية، والجميع وقحون للغاية". وحينما قيل لغروتشو ماركس أن الأمريكان يفكرون بتخصيص 30 دقيقة من المحتوى الفكري على التلفزيون كل يوم اثنين من الساعة 7:30 إلى 8 مساءً لتثقيف أمريكا. أجاب: لن يتمكنوا من تثقيف أمريكا حتى لو كان البث الفكري 24 ساعة.
نعم، كان لا بد لتلك القوة المنفلتة أن تخرج عن مسارها لتصل إلى هنا تماماً! لحظة التصادم مع التراكم التاريخي والأخطاء والعنجهية، إلى المكان الذي قال عنه سميدلي بتلر: "تكمن مشكلة أمريكا في أنه عندما لا يحقق الدولار سوى 6% من العائد هنا، فإنه يصبح قلقاً ويتجه إلى الخارج ليحقق 100%. حينها يتبع العلم بالدولار ويتبع الجنود العلم". هذا تماماً ما يحدث حينما تبنى الدولة على الحروب والسلاح، سيدفعها علم الاجتماع بالضرورة والتاريخ بطبيعة الحال، لإنتاج ترامب ومن لفّ لفّه من "الزنابير"Wasps وهو لفظ مستخدم للنخبة من العنصريين البيض الأنكلوسكسون، أولئك الذين لا يؤمنون إلا بالاجتثاث المدني والثقافي للشعوب الأغيار.
إن مفهوم الزنابير، يشير بالضرورة إلى وحشية ما، إذ يقدّم كفاءة العِرق على بقية الكفاءات، ويوقن أنه لا يجب إزاحة الشرعية الأرستقراطية بفعل الحداثة مهما يكن، هؤلاء هم اليمين المحافظ "مجازاً" والمتطرف "حقيقة" الطالب للقتال والإبادة في كل ما يفعل كأي فرد من جماعة كو كلوكس كلان"، فهذا من ذاك، يقول كريس روبرتس في مقال له بعنوان "ما هو البياض؟": "لا يستطيع البيض التعبير عن فخرهم، لأن البياض قائم على فكرة غامضة قادمة من القمع. إنها فئة مصطنعة أُنشئت فقط للإخضاع، وبالتالي فهي غير شرعية بطبيعتها".
في كتابه "تأملات في الثورة الفرنسية" 1790، يقول إدموند بيرك: آه.. لقد ولّى عهد الفروسية وحلّ محله عهد السفسطائيين والاقتصاديين والحاسبين؛ وانطفأ مجد أوروبا إلى الأبد".
وعلى ذكر أوروبا، التي ينادي الزنابير بإبقاء طرازها المعماري في الولايات المتحدة، أحب مقارنة دون ديليلو حينما قال: "بتُّ أنظر إلى أوروبا ككتابٍ بغلاف مذهّب مجلّد، أما أمريكا فهي النسخة الورقية الشعبية الرخيصة، والمصوّرة كيفما اتفق". وهو ما لا يتفق مع مقاربة مارغريت تاتشر التي أرادت ممالحة أمريكا فقالت: "أوروبا صنعها التاريخ، أما أمريكا فقد صنعتها الفلسفة"، ولعلها مقاربة فيها من "الثعلبة" الإنجليزية الكثير، إذ تشير إلى افتقار أمريكا للتاريخ واعتمادها على الأفكار، أخطأت أم أصابت.
يقول مايك باتون: "عشتُ في إيطاليا لفترة طويلة وتزوجتُ من امرأة إيطالية. وخلال إقامتي، انغمستُ في ثقافتها الهائلة، الموسيقى، والفن، والأدب، والسينما، والطعام، والتاريخ. من السهل أن تقع في غرام إيطاليا، إنها تبلي بلاءً حسنًا في الحفاظ على تقاليدها وثقافتها الغنية. هناك نقص حقيقي في احتضان التاريخ في أمريكا، عفواً.. هل قلت تاريخ؟".
ومن حسن الجواب فيما يتعلق بأهمية أمريكا وضرورتها للعالم، جواب إدوارد الثامن عما أعجبه في أمريكا حيث قال: "أكثر ما يُثير إعجابي في أمريكا هو طاعة الآباء لأبنائهم!". في إشارة لتهالك الضمانات والقيم وتفسخ العائلات، أما إيد مورفي، الذي سئل عن أهم اختراع اخترعته أمريكا، قال: "حسنٌ إنه حساء ذيل الديك الرومي الذي يشفي من أمراضٍ كثيرة، ولكننا سرقناه من الهنود الحمر، كما تشير سجلات تحضير مشروب ذيل الديك الرومي كشاي طبي إلى أوائل القرن الخامس عشر، خلال عهد أسرة مينغ في الصين".
ومثله جواب المغني البريطاني روب هالفورد حينما سئل عن عظمة أمريكا أثناء جولته الفنية فيها إذ قال: "أنا أمضغ نوعاً خاصاً من العلكة لا يُباع في أمريكا. إنها بريطانية، واسمها "إيرويفز". علكة بنكهة المنثول والأوكالبتوس، وهي مهدئة جداً لي أثناء الغناء لأنني أبتلعها، كما أنها تُساعد على تنظيف جيوبي الأنفية وتحسين تنفسي العلوي. يجب أن أكون قادراً على الوصول إلى هذه النغمات الواضحة والنقية".
لقد قدمت أمريكا الحريات والفنون والتطور الهائل بيد، وقدمت بيدٍ أخرى الحروب والويلات والتسلط بيدٍ أخرى، لا نعرف إلى متى ستظل تمشي مترنحةً بصورتين ذهنيتين متناقضتين أيما تناقض. ما أعرفه جيداً، أن الكوكب يترنح تحت قسوة وظلم اليد الثانية بما لا يحقق له المتع والتنعم بعطايا اليد الأولى.
يقول بوب ديلان: "أنا أحب أمريكا، كما يحبها أي شخص آخر. أنا أعشق أمريكا، لا بد لي من قول ذلك. لكن أمريكا ستُحاسب!".
هاني نديم
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :