كتبت الدكتورة رشا ابو حيدر
تُختصر رمزية “لعنة العقد الثامن” داخل الوعي اليهودي في حقيقة بسيطة: كل دورة ازدهار يهودية كبرى لم تتجاوز، تاريخياً، نحو سبعة عقود من الاستقرار قبل أن تدخل في عقد ثامن يمتلئ بالاضطرابات والانقسامات. ورغم أن جذور الفكرة رمزية، إلا أن وقائع التاريخ نفسه ساهمت في ترسيخها بقوة.
فالمملكة الموحدة في عهد داود وسليمان، التي بدأت نحو سنة 1000 ق.م واستمرت حتى انقسامها سنة 931 ق.م، لم تعش أكثر من سبعين عاماً تقريباً من الوحدة والقوة قبل أن تنهار في بداية عقدها الثامن، ما أدى إلى انقسامها إلى مملكتي إسرائيل ويهوذا. ومملكة إسرائيل الشمالية، رغم امتدادها أكثر من قرنين، فإن مرحلة الاستقرار الفعلي فيها لم تتجاوز بضعة عقود، قبل أن تبدأ أزماتها العميقة في الفترة التي تُقارب العقد الثامن، وصولاً إلى سقوطها بيد الآشوريين عام 722 ق.م. أما مملكة يهوذا، وعلى الرغم من عمرها الطويل، فقد دخلت بدورها في أخطر أزماتها الداخلية والدينية بعد حوالي سبعة عقود من الازدهار النسبي، قبل أن تتعرض للدمار والسبي البابلي سنة 586 ق.م.
ويتكرر النمط ذاته عند الهيكل الثاني. فبعد إعادة بنائه سنة 516 ق.م، شهد اليهود فترة استقرار تقارب سبعين عاماً، قبل أن تبدأ التوترات العميقة في “العقد الثامن” نتيجة الصراعات بين الفريسيين والصدوقيين والحشمونيين، لتنتهي هذه الدورة التاريخية بتدمير الهيكل على يد الرومان سنة 70 م. هذا التكرار جعل عدداً من المفكرين اليهود يعتبرون أنّ كل قوة يهودية كبرى تحمل في داخلها “زمن سقوطها” عند بلوغ العقد الثامن.
ومع قيام دولة إسرائيل سنة 1948، عاد هذا النقاش إلى الواجهة بقوة داخل الأوساط الإسرائيلية. فكتّاب وسياسيون ومؤرخون يحذّرون اليوم من دخول الدولة مرحلة “الامتحان التاريخي”، حيث يتزامن العقد الثامن مع انقسامات سياسية داخلية غير مسبوقة، وتصدّعات اجتماعية، وصراعات دينية، إضافة إلى تحديات إقليمية تتوسع باستمرار.
ومن هنا تأتي الفرضية التي يتداولها بعض الباحثين: أن جزءاً من السلوك العسكري الإسرائيلي – من الضربات المتكررة على غزة ولبنان وسوريا إلى المواجهات المفتوحة مع إيران – ينبع من خوف استباقي من “لعنة العقد الثامن”. فإسرائيل التي تبني استراتيجيتها على التفوق العسكري تخشى أن يقترب الزمن من النقطة التي انهارت فيها الممالك السابقة، فتسعى إلى تأجيل أي تهديد أو قوة صاعدة في الإقليم قد تعجل بمرحلة الضعف.
لكنّ هذا السلوك العدواني، مهما بدا قوة، يكشف أيضاً قلقاً عميقاً: قلق من أن يتكرر التاريخ، وأن يعود العقد الثامن كاختبار لا مفر منه. فالخطر الحقيقي الذي تخشاه إسرائيل ليس العدو وحده، بل الزمن نفسه. وبين الأسطورة والقلق السياسي، تبقى “لعنة العقد الثامن” مرآة يقرأ فيها الإسرائيليون هشاشتهم كلما ازداد صخب القوة من حولهم.
فالتاريخ، مهما تغيّرت وجوهه، لا ينسى دورته؛ ومن يقف على عتبة العقد الثامن يكتشف أنّ الخوف لا يصنع خلاصاً، وأن القوة مهما صعدت تبقى عمياء أمام حكم الزمن
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :