بين "واقعية" الخليج و"تهور" الخارجية اللبنانية: هل أضاع لبنان بوصلة السيادة؟

بين

 

Telegram

كتب نصير الرماح

في الوقت الذي تعيد فيه منطقة "الشرق الأوسط" صياغة تحالفاتها بناءً على لغة المصالح والواقعية السياسية، يبدو أن الدبلوماسية اللبنانية قررت التغريد خارج السرب، ولكن في اتجاه محفوف بالمخاطر والارتجال، فالقرار الأخير، أو التوجه المنسوب لوزارة الخارجية اللبنانية بخصوص طرد السفير الإيراني، يطرح تساؤلات جوهرية حول الحكمة السياسية في بلد يغرق في أزماته الوجودية، ويسطر فيه المقاومون أروع ملاحم البطولة والفداء دفاعاً عن السيادة على الأرض ودفاعا عن الشعب .

تكمن المفارقة الصارخة في هذه الخطوة عند المقارنة مع دول الخليج العربي وتحديداً السعودية، الإمارات، والكويت، وهي دول تمتلك قواعد أمريكية على أراضيها وكانت، وما زالت عرضة لتهديدات وأعمال عسكرية إيرانية مباشرة أو غير مباشرة، لم تذهب أبداً إلى خيار "القطيعة الكاملة" أو طرد السفراء كفعل انفعالي،

على العكس تماماً، اعتمدت العواصم الخليجية مبدأ "الدبلوماسية الوقائية"، وحافظت على شعرة معاوية مع طهران، مدركةً أن الجغرافيا قدر لا يمكن تغييره، وأن الاستقرار يتطلب توازناً دقيقاً لا صداماً ديبلوماسياً غير محسوب العواقب، فبأي منطق وبأي قوة يندفع "وزراء الصدفة" في لبنان نحو انتحار ديبلوماسي، في وقت تعجز فيه دولتهم عن تأمين أدنى مقومات الصمود لشعبها؟ وبينما تشكل إيران السند الحقيقي والظهير الاستراتيجي للمقاومة التي تكسر غطرسة العدو "الإسرائيلي" يومياً، تبادر الحكومة اللبنانية إلى طعن هذا التحالف في الظهر.

هذا التهور لا يمكن تصنيفه إلا في خانة "الخيانة الدبلوماسية" لدماء الشهداء وللدعم اللامتناهي الذي قدمته طهران للبنان في أصعب ظروفه، بينما اكتفى الآخرون بتقديم الوعود الفارغة أو التواطؤ الصامت، لذا، فإن طرد السفير في هذا التوقيت هو إعلان صريح عن ارتهان القرار الرسمي لإملاءات خارجية تسعى لتحقيق ما عجز عنه الاحتلال في الميدان.

 

إن الأبعاد الحقيقية لهذا القرار المشبوه تتجاوز البروتوكولات، إنها محاولة مكشوفة لـنقل لبنان من ضفة إلى ضفة، عبر سعي حثيث من قوى داخل السلطة لسلخه عن هويته المقاومة وإلحاقه قسراً بمحور "الحلفاء الأمريكيين" ومن خلفهم المخططات "الإسرائيلية" التي تهدف لتحويل لبنان من دولة عصية على الكسر بفضل سلاحها وحلفائها، إلى مجرد تابع يسبح في الفلك الغربي.

إن التوقيت المريب لخطوة الطلب من السفير الايراني مغادرة الاراضي اللبنانية بصفته شخصا غبدير مرغوب فيه، تزامناً مع العدوان "الاسرائيلي" الشرس على لبنان، يشي بأن هناك من في السلطة يتبادل الأدوار مع العدو لإضعاف الجبهة الداخلية وتجريد لبنان من عمقه الاستراتيجي.

فهذا القرار يُعتبر طعنة في قلب مؤسسات الدولة لعدة أسباب جوهرية:

1. غياب الرؤية: القرار ليس جزءاً من خطة وطنية، بل استجابة لضغوط خارجية وتسجيل نقاط سياسية رخيصة.

2. تجاهل التوازنات: اتخاذ خطوة بهذا الحجم دون إجماع وطني يهدد السلم الأهلي ويزيد الانقسام.

3. إضاعة الحلفاء: عزل الدولة عن عمق إقليمي لطالما كان حاضراً في ملفات الدفاع والإعمار حين تركه الجميع وحيداً تحت القصف.

إن البطولة التي تسطرها المقاومة في الميدان بدعم إيراني واضح، هي التي تحمي كراسي هؤلاء المسؤولين في بيروت، وأي محاولة للتحرش الدبلوماسي بحليف صادق هي قفزة في الفراغ ستؤدي إلى سقوط الهيكل فوق رؤوس من بناه، لإن "دولة المؤسسات" لا تُبنى بالارتهان للسفارات، بل بالوفاء لمن ثبت مع لبنان في وجه العدوان الكوني، والتاريخ لن يرحم المرتجفين...

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram