لبنان يُذبح بنخبٍ مأسورة: إمّا وطن… أو ارتماء في أحضان إسرائيل

لبنان يُذبح بنخبٍ مأسورة: إمّا وطن… أو ارتماء في أحضان إسرائيل

 

Telegram

كتبت اورنلا سكر

ستّ ماي شدياق، حضرتكِ ضدّ الحرب مع إسرائيل، ما بعتقد إنكِ مسيحية أكثر مني ولا لبنانية أكثر مني. مجرّد ما تقولي هذا التصريح، أنتِ عدوة للبنان.

لأنّ لبنان أمام خيارين: نهاية لبنان أو التمسّك بإسرائيل، ماذا تختارين؟

 

اليوم خيّرتكم، فاختاروا: لبنان أم إسرائيل؟

 

مسيحيو العراق وفلسطين وسوريا ولبنان، أين هم؟

من دمّر هوية المنطقة وسرق آثارها ومعانيها الحضارية وزوّرها؟

من شوّه التاريخ ونسب الحقائق إليه؟

من زوّر لجان البحوث الأثرية؟ وسرق اثارها تدمر وهربها الى اوروبا؟ 

من جعل شعوب هذه المنطقة تنطق بالدراسات الاستشراقية اكثر من الملك( المستعمِر)؟ 

من ومن... والقائمة تطول.

 

عزيزتي، التاريخ لا يقف عندكِ ولا عند المسيحي ولا عند إسرائيل. شعوب هذه المنطقة تمّت إعادة تشكيلها وابادتها عن بكرة أبيها، وأنتِ تقولين إنكِ لستِ ضدّ إسرائيل.

هل هذه هي النخب التي تحكمنا فعلًا؟ لا أستغرب لماذا نحن متخلّفون، مستعبدون، مذلولون، فاقدون للكرامة الإنسانية ومتطرّفون.

 

الجواب: لأنّ المستعمِر استوطن في جغرافيتنا وعقولنا وأخلاقنا وقيمنا ونفسياتنا وسلوكنا، ويتحكّم بها ويوجّهها.

وفقًا لتعبير مجازي مستوحى من ثقافة "جيفري إبستين"، نحن في عصر لا مكان فيه للإنسانية والأخلاق، بل يسود فيه صوت الاستكبار والقوة والسلطة فقط.

 

حزب الله، يا عزيزتي، ربما دمّر لبنان، وهذه نتيجة حتمية في بلد طائفي منقسم بين ولاء غربي وولاء مشرقي. هذه نتيجة الانتماء إلى أحضان الاستعمار.

 

مع العلم أنّ الاستعمار اليوم تطوّر كثيرًا في فنونه وحروبه وأدواته وأيديولوجيته المركزية الاستعلائية والعنصرية، فهو يتحكّم في عقلك وسلوكك عبر خرق سيادتك، ليس فقط الجغرافية، بل الرقمية والنفسية وميولك.

 

ما هذه النخب التي تدير لبنان؟ لا عجب أن يكون مصيرنا الزوال وسط هذه الأفكار المهدومة والقاصرة.

 

كنت أسمع منذ الصغر أنّ المسلمين يكرهوننا، في إشارة إلى الحروب الإسلامية المسيحية في الشرق، لكن هذه ليست الحقيقة، وليست كل الرواية.

المسيحيون في الشرق كانوا أحيانًا أدوات ضمن مشاريع استعمارية مرتبطة بفرنسا أو إسرائيل أو أميركا، ولا أذكر يومًا وقفوا فيه إلى جانب القضايا العربية المحقّة.

 

وأكبر برهان هو عصر التنظيمات في السلطنة العثمانية، بالرغم من أنّها أعطت امتيازات ونظّمت العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين وفق ما يُعرف بنظام الملّة، الذي كان نظامًا متطوّرًا لإدارة التعدّدية الثقافية والدينية، في وقت كانت فيه أوروبا تمارس أنواعًا مختلفة من الاضطهاد والعنف والتنكيل بحق الأقليات اليهودية وغير اليهودية، وكذلك المسيحيين المخالفين للسلطة الكنسية.

 

والمفارقة أنّ المسيحيين كانوا غالبًا في موقع الشكوى والاعتراض على الحكم الإسلامي. وهذه دراسة قمتُ بتقييمها ودراستها وتعريبها في أمهات الكتب عند المستشرقين لفهم لماذا لم يعترف المسيحي بالإسلام، وما هي أسبابه ودوافعه.

 

الجواب باختصار هو نسق أيديولوجي غربي، وسيطرة الدراسات الاستشراقية على تلك العلاقات، واستعادتها عبر خلق أزمات داخلية برّرت التدخل والاستبعاد والتطرّف والكراهية. بالرغم ان تلك العلاقات لم تكن اساسا مثالية ولا ننكر ذلك لكن المسيحي لم يؤمن يوما بالعرب منذ مكة والصراع بالأساس عرقي نسبي يقوم على عصبية ايديولوجية قبائلية عصبية وحمية نسبية والاستعمار زاد تفسخها بخلق تناقضاتها وتقديم الحماية من جهة ، والقول أن المسيحي وقف دعم القومية العربية هذا كلام تسخيفي للتاريخ القومية العربية اوجعت بالأساس لضرب السلطنة العثمانية واسقاطها.

 

مشكلة المسيحيين اليوم ليست حزب الله فقط، بل العقيدة الخلاصية التي بشّر بها الغرب كمخلّص يحمل رسالة التحضّر إلى العالم، في حين أنّ رسالته تقوم على الهيمنة وإلغاء الآخر وإبادة جماعية قاهرة.

وقد تمّ تأكيد ذلك حتى اكتمل مشروع "إسرائيل الكبرى"، فلم يعد بحاجة إلى صناعة عدو كما فعل سابقًا حين خلق عدو الشيوعية، ثم عدو الإسلام.

 

اليوم، الغرب يتحدّث عن السلام، فلا نسمع تلك الأدبيات، لكنّه واضح في رسالته إلى العالم: من يملك القوة مثلنا فليواجهنا.

وهذا ما عبّر عنه ترامب في حادثة خطف مادورو، وكذلك في تسريبات جيفري إبستين التي تقوم على فكرة الابتزاز والسيطرة والهيمنة على نخب العالم.

 

أحبّائي، هذه الرسالة ليست للإهانة ولا للتطاول على المسيحيين أو معاداة المسيحية، إنّما هي رسالة واضحة من مسيحية مشرقية تعيش هذا الشرق، وتريد كشف الحقائق بعيدًا عن التزوير التاريخي.

 

يُقال إنّ "التاريخ يكتبه المنتصر"، لكن اليوم، مع التطوّر التقني وانفتاح العالم على بعضه، أصبح الكذب والتزوير أصعب، بفعل الانكشاف وتقدّم المنصات الرقمية التي لم يعد من السهل إخفاء الحقائق فيها.

 

وبالتالي، بالرغم من سيطرة الغرب على الإعلام، لم يعد قادرًا على التحكم الكامل بالحقيقة والسردية، وهذا هو تحدّي القرن في الحروب الجديدة.

 

في ما يتعلّق بالعلاقات التاريخية، فإنّ الرواية التي تختزل العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في صراع دائم ليست دقيقة.

كما أنّ تصوير المسيحيين في الشرق ككتلة واحدة مرتبطة بالخارج فيه تبسيط مخلّ.

 

التاريخ يُظهر أنّ العلاقات كانت أكثر تعقيدًا، وشهدت مراحل من التعايش والتوتّر معًا، خاصة في ظل أنظمة مثل "نظام الملّة" في الدولة العثمانية، الذي سعى إلى تنظيم التعدّدية الدينية ضمن سياق زمانه.

 

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أنّ أوروبا نفسها عرفت مراحل من الاضطهاد الديني والعنف تجاه الأقليات، ما يعني أنّ التجارب التاريخية متداخلة وليست أحادية.

 

ختامًا، رسالتي اليوم: لا تكرّروا أخطاء الأندلس، ولا تبكوا ملكًا كما يُروى عن سقوط غرناطة.

يُحكى أنّ أبا عبد الله بكى وهو يغادر المدينة، فقالت له والدته:

"ابكِ مثل النساء ملكًا لم تحافظ عليه مثل الرجال."

 

ما أحاول قوله إنّ الأندلس شكّلت منارة للتسامح وتجربة تاريخية للتفاعل بين الشرق والغرب، والتعدّدية الدينية بين اليهود والمسيحيين والمسلمين على خلفية الانصهار والتبادل الثقافي والحضاري.

 

فقد أسهم الإسلام في الحضارة الغربية، كما أسهم المسيحيون أيضًا، وبالتالي فإنّ قصة حروب الاسترداد التي مارستها ملوك الكاثوليك سابقًا، يعاد تكرارها اليوم مع إسرائيل.

 

والسؤال الكبير:

المسيحيون ليسوا وحدهم على كوكب الأرض، وعليهم الاعتراف بغيرهم، وتقبّل تضحيات ووجود وهوية المسلم.

 

فما يجري مع شيعة الحزب هو نموذج قام تاريخيًا على ثورة المعارضة والمظلومية، والتاريخ يكرّر نفسه.

فالسقيفة اليوم يُعاد تمثّلها على خلفية الصراع بين الشرعية السياسية والشرعية الدينية.

 

فهل التاريخ يكرّر نفسه؟ أم أنّنا تعلّمنا؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram