"الصين في مرمى النيران.. فنزويلا وإيران مجرد أنابيب وقود تُقطع!"

 

Telegram

 

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير ايكون نيوز 

 

بينما تتجه أنظار العالم إلى إيران و"إسرائيل"، وبينما يلهث الإعلام وراء تفاصيل اغتيال القادة وتفجير المفاعلات، هناك معركة أخرى تُدار بصمت. معركة لا يراها الكثيرون لأنها لا تظهر على السطح، لكنها ترسم مستقبل النظام العالمي الجديد.

الحدثان اللذان لم ينتبه لهما أحد:

الحدث الأول: سقوط مادورو في فنزويلا. كان رد الفعل العالمي تقليدياً: ديكتاتور سقط، انتصار للديمقراطية، انتهاك للقانون الدولي. لكن السؤال الذي لم يطرحه أحد: من كان المستفيد الأكبر من نفط فنزويلا؟ الجواب: الصين. 800 ألف برميل يومياً كانت تتدفق من كراكاس إلى بكين. مع سقوط مادورو، انقطع خط الإمداد.

الحدث الثاني: الضربة الإيرانية. توقف العالم أمام خبر اغتيال خامنئي. البعض صفق، البعض احتج، والكل ناقش التبعات النووية. لكن الغائب الأكبر عن النقاش: الصين. 1.5 مليون برميل يومياً كانت تشكل شرياناً رئيسياً للاقتصاد الصيني. مع بدء الحرب، انقطع هذا الشريان.

 الصين في قلب المعادلة:

بلدان، قارتان، ذريعتان مختلفتان، لكن الزبون واحد. هل هي مصادفة؟ أم أن هناك خيوطاً غير مرئية تجمع هذه الأحداث؟

نظرية "راي داليو" الشهيرة تُفسر: عندما تقترب قوة صاعدة من القوة القائمة، يصبح الصدام حتمياً. التاريخ يعيد نفسه:
- ألمانيا صعدت → الحرب العالمية الأولى
- اليابان صعدت → الحرب العالمية الثانية  
- الاتحاد السوفيتي صعد → الحرب الباردة
- الصين اليوم → ماذا ينتظرنا؟

معركة الأنابيب:

الصين تنتج 28% من الإنتاج العالمي، لكنها تستورد 73% من نفطها. إنها محرك ضخم لا يُوقف، لكنه لا ينتج وقوده بنفسه. له أربعة أنابيب وقود رئيسية:
1. فنزويلا (800 ألف برميل/يومياً)
2. إيران (1.5 مليون برميل/يومياً)
3. روسيا (مُقيّدة بالعقوبات)
4. السعودية (إنتاج متراجع)

الاستراتيجية واضحة: لا تحتاج لمحاربة المحرك، فقط اقطع عنه الوقود. خلال شهرين فقط، فُقدت 2.3 مليون برميل يومياً من إمدادات الصين، أي 20% من استيرادها اليومي. والجميع كان ينظر إلى إيران!

 الطريق المسدود:

لم تكن الطاقة فقط هي المستهدفة. الصين كانت تبني مشروع "طريق الحرير" العملاق: شبكة تجارة تمتد من بكين إلى قلب أوروبا، بمليارات الاستثمارات. أوروبا كانت تبتعد عن أمريكا وتقترب من الصين. ألمانيا جعلت الصين شريكها التجاري الأول، فرنسا توقع اتفاقيات جديدة، إيطاليا تنضم رسمياً للمشروع.

ثم ضُربت إيران. لم تكن مجرد ضربة لإيران، بل كانت طعنة في قلب طريق الحرير. استقرار إيران كان ضرورياً لوصول الصين إلى أوروبا. تم تدمير هذا الاستقرار بحركة واحدة.

تايوان: الحلبة النهائية:

لماذا كل هذا الاهتمام بتايوان؟ لأن 90% من أكثر الشرائح الإلكترونية تطوراً تُصنع هناك. من يسيطر على تايوان يسيطر على تكنولوجيا القرن 21. أمريكا تقول: سندعم تايوان. الصين تقول: تايوان لنا ولو بالقوة. هنا تتحقق نظرية داليو.

تخيلوا ملاكمين يستعدان للنزال. أحدهما يقطع الطعام والماء عن الآخر قبل الصعود إلى الحلبة:
- فنزويلا: قُطعت
- إيران: قُطعت  
- روسيا: قُيّدت
- أوروبا: أُبعدت
- الحلبة: تايوان

 

لكن هناك جانب آخر. كل حرب تعني صفقات سلاح. مع كل انفجار في الشرق الأوسط، تتجه دول الخليج لشراء الأسلحة الأمريكية. السعودية، الإمارات، قطر - الجميع يزيد ميزانيته الدفاعية. كل انفجار = صفقة، كل أزمة = عقد، كل حرب = مليارات.

استراتيجية واحدة، خمس مكاسب لأمريكا:


1. قطع إمدادات الطاقة عن الصين
2. تعطيل طريق الحرير التجاري
3. السيطرة على المنطقة
4. الربح من صفقات السلاح
5. إضعاف الصين قبل المواجهة الحاسمة في تايوان

 

ما نراه اليوم في فنزويلا وإيران وروسيا وأوروبا ليس سوى جبهات متفرقة في معركة واحدة. الهدف الحقيقي ليس طهران أو كراكاس، بل بكين. نحن نشاهد تمهيداً لمواجهة كبرى، حيث تُرسم ملامح النظام العالمي الجديد. والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل ستنجح استراتيجية قطع الأنابيب في إيقاف المحرك الصيني؟ أم أن المحرك سيجد طرقاً جديدة للانطلاق؟

 

 

 

ماذا لو انقلب السحر على الساحر؟

لكن يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية واجهت ما لم تحسب له حسابه: صمود إيران الأسطوري. فالأنبوب الذي ظنوا أنهم قطعوه إلى الأبد، أثبت أنه أكثر متانة مما تخيلوا. إيران لم تسقط، ولم تنكسر، بل خرجت من التجربة أكثر صلابة، وأكثر خبرة، وأكثر قدرة على الالتفاف حول العقوبات.

لقد راهنت واشنطن على أن ضرب إيران سيكون الضربة القاضية لطريق الحرير الصيني. لكن ما حدث هو العكس تماماً: إيران أثبتت أنها ليست مجرد أنبوب وقود، بل هي حجر زاوية في معادلة إقليمية معقدة، وأن أي محاولة لاستئصالها تصطدم بحقيقة أن قوتها ليست في نفطها فقط، بل في موقعها الاستراتيجي، وحلفائها، وقدرتها على الصمود.

انقلاب الأدوار:

اليوم، بدلاً من أن تكون إيران نقطة ضعف في استراتيجية الصين، تحولت إلى نقطة قوة. فالصين، التي كانت تخشى انقطاع الإمدادات، وجدت في إيران شريكاً أكثر موثوقية، تعلم رغم الضغوط القصوى أن تبقى على قيد الحياة. وإيران، التي كانت معزولة، وجدت في الصين منفذاً اقتصادياً لا يمكن تعويضه.

أما أمريكا، التي راهنت على أن قطع الأنابيب سيوقف المحرك الصيني، فاكتشفت أن المحرك تعلم أن يعمل بوقود بديل، وأن الطريق إلى أوروبا لم يُغلق بالكامل، بل وجدت الصين ممرات جديدة عبر آسيا الوسطى والقوقاز.

 

في هذه المعركة غير المتكافئة، كان السحر الأمريكي يتمثل في قطع الأنابيب وحرق الجسور. لكن السحر انقلب على صاحبه عندما اكتشفت واشنطن أن:

الأنابيب التي قطعتها نمت مكانها أنابيب جديدة

الطرق التي أغلقتها فتحت طرقاً بديلة

الحلفاء الذين راهنت عليهم بدأوا يسألون: من سيضمن أمننا بعد انسحاب أمريكا؟

 

ربما تكون نظرية "راي داليو" صحيحة: الصراع بين القوى الصاعدة والقائمة أمر حتمي. لكن ما لم تحسبه أمريكا هو أن إيران، التي ظنت أنها مجرد أداة في هذه اللعبة الكبرى، أصبحت لاعباً أساسياً يملك من الصلابة ما يكفي لقلب المعادلة. صمود إيران لم يكن مجرد حدث عابر، بل كان درساً في أن الحروب الحديثة لا تُربح فقط بالقنابل، بل بالقدرة على الصمود والالتفاف على العقوبات وإعادة ابتكار قواعد اللعبة.

فمن كان يظن أن أنبوب النفط الإيراني سيكون حجر الزاوية في تحول موازين القوى العالمية؟ ومن كان يتوقع أن انقلاب السحر على الساحر سيأتي من طهران وليس من بكين؟

الخلاصة: جبهات متعددة… وهدف واحد

ما يحدث ليس سلسلة أزمات منفصلة.
بل لوحة واحدة تُرسم بهدوء:

طاقة تُقيَّد
طرق تُعطَّل
تحالفات تُعاد صياغتها

والهدف؟
ليس تدمير الصين… بل منعها من الوصول إلى اللحظة التي لا يمكن بعدها إيقافها.

 

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram