ما وراء الجبهة: بين استمرار الحرب وتآكل الثقة بالقيادة الإسرائيلية

ما وراء الجبهة: بين استمرار الحرب وتآكل الثقة بالقيادة الإسرائيلية

 

Telegram

 

بنيامين نتنياهو والإعلام الرقمي

مع دخول العدوان الإسرائيلي-الأمريكي على إيران ولبنان يومه الثالث عشر، لا تبدو الأزمة التي تواجهها إسرائيل عسكرية فقط، بل سياسية واجتماعية وإعلامية أيضاً. فقد أعادت حالة الطوارئ الرقابة العسكرية إلى موقع لم تشغله منذ عقود بهذه الكثافة، فلم تعد مجرد أداة تقنية لحماية العمليات العسكرية، بل تحولت عملياً إلى أداة لإدارة الرواية السياسية للحرب بما يخدم مصالح نتنياهو.

 

فقد توسعت أوامر منع النشر بشكل غير مسبوق، إذ صدرت عشرات الأوامر الجديدة (48 أمر) التي لم تقتصر على مواقع سقوط الصواريخ أو المعلومات العملياتية، بل امتدت إلى تقارير تتعلق بالاقتصاد أو الذعر الشعبي أو الانتقادات الموجهة للحكومة وإلى أسباب إغلاق المدارس والمكاتب... كما تعرض مراسلون أجانب لضغوط وتهديدات بسحب الاعتمادات لمنع نشر تقارير عن تذمر وحدات الاحتياط أو التداعيات الاجتماعية للحرب.

 

في المقابل، ومع التزام معظم وسائل الإعلام التقليدية بالرواية الرسمية إلى حد كبير، أخذ الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي يتحول إلى ساحة مفتوحة للنقاشات المعارضة. وتشير قراءة موسعة لآراء شخصيات إسرائيلية على منصة X إلى بروز مزاج نخبوي ناقداً يجمع بين فقدان الثقة بالقيادة، والصدمة من الواقع العسكري، والإرهاق الاجتماعي من الحرب.

 

أولاً: تآكل الثقة بالقيادة السياسية والعسكرية

المزاج الأكثر حضوراً في النقاشات الإسرائيلية المعارضة يتمثل في فقدان الثقة بالقيادة السياسية والعسكرية. فعدد كبير من الشخصيات العامة يحمّل الحكومة والجيش مسؤولية ما يجري، مع اتهامات صريحة بالكذب وتضليل الجمهور.

 

يقول الناشط إيال عرادي بوضوح:

 

"هل كذبت علينا الحكومة؟ نعم. هل كذب علينا الجيش؟ بالطبع. هل تكذب علينا وسائل الإعلام؟ كل يوم وكل ساعة."

 

وفي السياق نفسه، يرى عامي درور أن خوض حرب وجودية بقيادة رئيس وزراء غارق في التحقيقات الجنائية يمثل "انتحاراً أخلاقياً وقومياً". كما يكرر معارضون استحضار سلسلة تصريحات نتنياهو منذ عام 2012 وحتى 2025، والتي أعلن فيها في كل مرة "نصراً حاسماً" على خصوم إسرائيل، قبل أن تعود المواجهات مجدداً. ويختصر الناشط إيتسيك إلرؤي هذه الظاهرة بالقول إن إسرائيل تمتلك "رئيس وزراء يعلن النصر في نهاية كل جولة، ثم يكتشف الجمهور أن الجولة التالية بدأت بالفعل". كذلك أكد شيريل هوغيغ:

 

"في حرب العفو الأولى تعلمنا درساً يجب أن يبقى في الذاكرة لأجيال: إن خوض حرب وجودية مع رئيس وزراء متورط في محاكمة جنائية، ولا يصدق أغلبية الشعب كلمة واحدة مما يقوله، هو وضع يجب تجنبه"

ثانياً: صدمة من استمرار قدرة حزب الله

المحور الثاني في النقاش الإسرائيلي يتمثل في الصدمة من استمرار قدرة حزب الله العسكرية رغم إعلان إسرائيل مراراً أنها دمرته. و يشير المحلل شائيل بن أفرايم إلى أن وحدة النخبة في الحزب، قوة رضوان، لم تتعرض لضربة حاسمة، بل أصبحت تعمل وفق تكتيكات الفرق الصغيرة القادرة على ضرب القوات الإسرائيلية بدقة.

 

كما تشير التقديرات إلى:

 

احتفاظ الحزب بنحو 20 ألف صاروخ وقذيفة

 

امتلاكه أكثر من ألفي طائرة مسيّرة

 

استمرار عمل مراكز القيادة في الضاحية بكامل طاقتها.

 

ويشير التقرير إلى أن وحدات رضوان تمكنت من تنفيذ 29 هجوماً منسقاً خلال 24 ساعة، وهو رقم يفوق أي يوم سابق في الحرب.

 

وفي تعبير ساخر يلخص هذه المفارقة، كتب أومر باباي:

 

"اتضح أننا أرجعنا حزب الله عقوداً إلى الوراء… إلى عام 2006."

 

وفي تعبير ساخر أخر قال إيلاد إسحاقيان: "لقد قضينا على حزب الله أكثر من اللازم، في رأيي".

 

ثالثاً: شعور بالخداع لدى المجتمع الإسرائيلي

المحور الثالث في الخطاب المعارض يتمثل في الإحساس بالخداع داخل المجتمع الإسرائيلي، خصوصاً في المناطق الشمالية. فيتساءل الصحفي نير ديمور بمرارة:

 

"من هو الشخص الذي وعد بتعطيل قدرات حزب الله؟ من أطلق هذه الوعود؟"

 

كما وصف الإعلامي باراك سيري الحديث عن "الكمين الاستراتيجي" لحزب الله بأنه مجرد غطرسة سياسية مقارنة بما يحدث فعلياً في الشمال. وتظهر هذه الانتقادات تعاطفاً واضحاً مع مستوطني الشمال الذين يشعرون بأنهم تُركوا لمواجهة القصف دون حماية حقيقية. وفي هذا السياق أيضاً جددت ريتا اناتي تصريح نتنياهو عام 2024 ساخرة منه: "أيها السكان الأعزاء في الشمال، لقد قضينا بالفعل على حزب الله قبل عام، وما تشعرون به الآن هو أقلية فوضوية وعنيفة لا تقبل نتائج القضاء عليه"

 

رابعاً: إرهاق الحرب والانكسار الاجتماعي

من أبرز الظواهر التي تظهر في النقاش الإسرائيلي المرصود ما يمكن وصفه بـ إرهاق الحرب.

 

تقول نويا صويا إن عدداً متزايداً من النخب المهنية بدأ يفكر فعلياً في الهجرة:

 

"هناك شيء في هذه الحرب جعل أصدقائي وأنا نفكر في مغادرة هذا المكان. بعضهم بدأ يبحث عن وظائف في الخارج."

 

كما تشير ياعيل أفنيري إلى ظاهرة لافتة، إذ لاحظت أن نسبة من يتوجهون إلى الملاجئ عند إطلاق صفارات الإنذار تراجعت بشكل كبير:

 

"عندما انطلقت الصفارات ليلاً، لم يصل إلى الملجأ سوى عُشر الأشخاص الذين يأتون عادة."

 

أما داخل المؤسسة العسكرية، فيعبر جنود احتياط عن رفضهم تكرار جولات التوغل البري. يقول الجندي الاحتياطي يوفال سادي إنه لا يرى جدوى من تكرار نفس الاستراتيجية العسكرية التي أدت إلى حرب طويلة دون نتائج حاسمة.

 

خامساً: الرقابة وفقدان السيطرة على الرواية

مع تشديد الرقابة العسكرية على الإعلام، بدأ الجمهور الإسرائيلي يعتمد بشكل متزايد على مصادر بديلة للمعلومات. وفي هذا السياق يشير الصحفي سليمان مسودة إلى أن الأخبار التي تمنع الرقابة نشرها تظهر بسرعة عبر قنوات تيليغرام مجهولة.

 

كما يؤكد الصحفي روي شارون أن الإسرائيليين أصبحوا يعتمدون على مجموعات واتساب وقنوات تيليغرام لمعرفة ما يحدث فعلاً. وقد أدى ذلك إلى ظاهرة جديدة: فقدان الدولة السيطرة على رواية الحرب. ففي كثير من الأحيان، تصبح الرواية التي تنتشر على الإنترنت أقوى من الرواية الرسمية.

 

خاتمة

 

تكشف آراء شخصيات إسرائيلية معارضة أن الحرب الجارية لم تعد تُقرأ داخل الكيان الاسرائيلي كجولة عسكرية فقط، بل كأزمة سياسية وثقافية أعمق تمس علاقة القيادة بالجمهور. فمع اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، يتزايد التشكيك في صدقية الوعود المتكررة بتحقيق “نصر حاسم”، خصوصاً مع استمرار قدرة إيران وحزب الله على العمل العسكري. وفي الوقت نفسه، تظهر مؤشرات واضحة على إرهاق اجتماعي وتراجع في الثقة بالمؤسسات السياسية والعسكرية والاعلامية، يترافق مع اعتماد متزايد على الإعلام الرقمي في ظل تشديد الرقابة على الإعلام التقليدي. وبذلك تبدو إسرائيل أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة عسكرية، حيث تتداخل التحديات الأمنية مع أزمة ثقة داخلية تتسع تدريجياً مع استمرار الحرب دون أفق حسم واضح. 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram