كتب رشيد حاطوم
في السياسة الدولية، لا تبدأ الأزمات الكبرى دائمًا بقرار واضح المعالم، بل كثيرًا ما تولد من تقديرات استخباراتية أو استشارية تتحول فجأة إلى قرار حرب. وفي تطور لافت، فتح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الباب أمام واحدة من أكثر الروايات حساسية حول خلفيات المواجهة مع ايران، عندما أقرّ بأن قرار الهجوم استند إلى تقييمات قدّمها له مستشاروه.
ترامب قال بصراحة غير معتادة في مثل هذه الملفات:
"بناءً على ما أخبرني به ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وبيت هيغسيث وآخرون... اعتقدت أنهم كانوا يخططون للهجوم علينا، لذا اضطررنا للتحرك أولاً."
بهذه الكلمات، ألقى ترامب الضوء على أسماء محددة داخل دائرة القرار، من بينهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشني وبيتر، في إشارة توحي بأن التقديرات التي قُدمت له هي التي دفعت نحو خيار الضربة الاستباقية.
لكن ما يبدو شرحًا لآلية اتخاذ القرار، قد يحمل في جوهره بداية معركة سياسية صامتة حول من يتحمل مسؤولية قرار الحرب. ففي لحظات النجاح، تتشارك دوائر السلطة الفضل، أما عندما تصبح النتائج أكثر تعقيدًا، فإن لعبة تبادل المسؤوليات تبدأ سريعًا داخل أروقة الحكم.
التاريخ الأميركي يقدّم أمثلة كثيرة على هذا النمط. فقرارات التدخل العسكري الكبرى، مثل Vietnam War أو Iraq War، كشفت لاحقًا كيف يمكن لتقديرات استخباراتية أو تحليلات سياسية غير دقيقة أن تتحول إلى أساس لقرارات غيّرت مسار دول بأكملها.
وفي الحالة الراهنة، يبدو أن تصريح ترامب يعكس إدراكًا مبكرًا لثقل النتائج التي قد تترتب على أي مواجهة مفتوحة مع طهران. فالتصعيد مع إيران ليس مجرد عملية عسكرية محدودة، بل خطوة تحمل في طياتها احتمالات إقليمية ودولية واسعة، تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
غير أن الحقيقة التي يعرفها كل من درس تاريخ الرئاسة الأميركية تبقى ثابتة:
المستشارون قد يقترحون، لكن القرار النهائي يبقى توقيع الرئيس نفسه.
ولهذا، فإن أي محاولة لنقل عبء المسؤولية إلى الدائرة الاستشارية قد تخفف الضغط السياسي مؤقتًا، لكنها لا تغيّر من حقيقة أن التاريخ غالبًا ما يكتب اسم الشخص الذي أعطى الأمر، لا أسماء من نصحوه به.
في كل حرب روايتان: واحدة تُعلن أمام الكاميرات، وأخرى تُهمس داخل غرف القرار. ومع أول تعقيد في النتائج، تبدأ الرواية الثانية بالظهور تدريجيًا. عندها لا يعود السؤال: لماذا اندلعت الحرب؟ بل يصبح السؤال الأخطر: من أقنع القائد بأنها كانت الخيار الوحيد؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :