كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
سليمان فرنجية.. حيث تتعالى الكلمة على عرش الرئاسة
في فضاءٍ سياسيٍّ لبنانيٍّ اعتاد أن تتبدّل فيه الولاءات بتقلّبات الرياح، وتُباع فيه التحالفات عند أوّل مفترق للمصالح، يبرز اسم سليمان فرنجية استثناءً نادراً؛ رجلٌ فضّل أن يدفع ثمن مواقفه غالياً، على أن يُقايضها رخيصةً.
لم تقرأ العقوبات الأميركية الأخيرة في بيئته السياسية مجرد إجراءٍ إداريٍّ أو ضغطٍ مالي، بل استُقبلت رسالةً سياسيةً واضحةً موجهةً إلى من لم يُبدّل وجهته يوماً، ولم يُغادر الخندق الذي اختاره منذ عقود، مهما اشتدّت العواصف أو تعاظمت الإغراءات. وهكذا تحوّلت هذه العقوبات في نظر أنصاره إلى وسامٍ إضافيٍّ يُضاف إلى سجلٍّ حافلٍ بالمواجهات والمواقف التي لم تتزعزع.
لم يكن فرنجية من هواة التنقّل بين المحاور، ولا من من يدور في فلك موازين القوى المتغيّرة. دخل الساحة حاملاً إرثاً وطنياً وقومياً جلياً، وتشبّث به في أحلك الفترات التي مرتّ على لبنان والمنطقة. لم يختبئ وراء الغموض، ولم يبحث عن مداخل ومخارج شخصية، بل بقي صريحاً في خياراته، واضحاً في مواقفه، كمن يعلم أن السياسة موقفٌ قبل أن تكون سلطة.
ومن أبرز المحطات التي خلّدت اسمه في الوجدان الجماعي، تلك اللحظة الفارقة التي كان فيها اسمه في صدارة السباق الرئاسي، وكانت كلّ المعطيات تشير إلى فرصته في الوصول إلى قصر بعبدا. يومها، لم ينظر إلى الرئاسة غايةً شخصيةً أو جائزةً سياسية، بل جزءاً من مشروعٍ استراتيجيٍّ أوسع. ورغم إمكانية المضيّ قدماً في المعركة، فضّل الانسجام مع التقديرات السياسية لحلفائه، وعلى رأسهم الشهيد السيّد حسن نصر الله، واضعاً وحدة الصفّ فوق الطموح الشخصي. بذلك أثبت أن الكلمة عنده أثقل من المنصب، وأن الوفاء ليس شعاراً انتخابياً بل منهج حياة.
في زمنٍ كثرت فيه الحسابات الضيّقة، وتبدّلت فيه الوجهات، بقي فرنجية ثابتاً كالسنديان. لم يتنكّر لخيار المقاومة، ولم يخلُ بحلفائه تحت وطأة الحروب الإعلامية والسياسية. ولهذا، حظي باحترام الخصوم قبل المؤيّدين، لأن وضوحه كان دائماً درعاً لا يُخترق.
اليوم، ومع عودة اسمه إلى الواجهة مجدّداً، تتجلّى المفارقة الكبرى: ما أُريد له أن يكون وسيلة ضغط، تحوّل إلى شهادةٍ إضافيةٍ على ثباته. فالتاريخ لا يخلّد من راكموا المناصب، بل من حافظوا على مواقفهم حين كانت الكلفة باهظة.
قد تتباين القراءات السياسية حول المرحلة اللبنانية، لكنّ ما لا يُنكر أن سليمان فرنجية يمثّل نموذجاً نادراً؛ الرجل الذي اعتبر أن المنصب قيمةٌ فقط حين يخدم المبادئ، لا حين يحلّ محلّها. وفي زمنٍ كثرت فيه الضياعات، بقي متمسّكاً بفكرةٍ عميقةٍ: أنّ الرجال يُقاسون بوفائهم لمواقفهم، لا بعدد الكراسي التي شغلوا، وأنّ الكلمة المضمونة لشعبٍ أو لقضيةٍ تبقى أعلى من أيّ عرش.
لذا، بالنسبة لمحبّيه، لم تكن العقوبات عنواناً للضعف، بل محطّةً جديدةً في مسيرة من اختار البقاء ثابتاً في موقعه، واضحاً في خياراته، وفياً لعهدٍ قطعه على نفسه بأنّ لا يبيع بوصلته، مهما غيّرت الريح اتجاهها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :