بريجيت باردو .. أيقونة رغم الغياب

بريجيت باردو .. أيقونة رغم الغياب

 

Telegram

حين رحلت بريجيت باردو Brigitte Bardot، وجدتُ نفسي أطرحُ سؤالاً، بدا بسيطاً، لكنَّه لم يكن كذلك أبداً: لماذا تتحوَّلُ امرأةٌ، تغيبُ عن السينما منذ عقودٍ طويلةٍ إلى حدثٍ كوني لحظةَ موتها، وكيف يمكن لاسمٍ، توقَّف عن الإنتاجِ، وعن الظهورِ، وعن السعي إلى الضوء، أن يبقى حياً إلى هذا الحدِّ؟ الإجابةُ، لم تكن في فيلمٍ واحدٍ، ولا في صورةٍ شهيرةٍ، ولا حتى في جمالٍ استثنائي. الإجابةُ كانت في الأثرِ الكبير، هذا الأثرُ الذي لم يمحه الغياب.
 

الأسطورة لا تُصنع بالكثرة

حسبَ أرشيفِ السينما الفرنسيَّة، لم تُقدِّم بريجيت باردو عدداً ضخماً من الأفلام مقارنةً بنجماتِ عصرها، لكنَّها قدَّمت ما هو أندر: صورةٌ لا تُمحى.

منذ Et Dieu... créa la femme عامَ 1956، لم تعد المرأةُ على الشاشةِ كما كانت قبلها. هي لم تكن «الدور»، بل كانت الحالة: الجسدُ الحرُّ، والحركةُ العفويَّة، والصوتُ الذي لا يُصقَل، والنظرةُ التي لا تطلبُ الإذن. نقَّادُ السينما حول العالم، أجمعوا على أن باردو لم تكن ممثِّلةً بالمعنى الكلاسيكي، بل كانت زلزالاً بصرياً وثقافياً، وهو توصيفٌ، تكرَّر لاحقاً عبر عقودٍ.

بورتريه لبريجيت باردو – تاريخ غير محدد  (AFP)
بورتريه لبريجيت باردو – تاريخ غير محدد (AFP)

الجمال.. حين يصبح موقفاً

في خمسينيَّاتِ وستينيَّاتِ القرنِ الماضي، كان الجمالُ النسائي في السينما يُقدَّم بوصفه زينةً. باردو، قلبت المعادلة. لم يكن جمالها خاضعاً، ولا متقناً، ولا «مثالياً»، بل كان فوضوياً، وحياً، وأقربَ إلى الطبيعةِ منه إلى الصناعة، وهذا ما جعلها أيقونةَ موضةٍ دون أن تسعى إلى ذلك.

تسريحاتُ شعرها، ملابسها البسيطةُ في سان تروبيه، وحتى مكياجها شبه الغائب، تحوَّلت إلى مرجعٍ بصري، يُستعاد حتى اليوم.

طفولة بلا حنان

وُلِدَت بريجيت باردو في باريس عامَ 1934 لعائلةٍ برجوازيَّةٍ صارمةٍ، إذ لم تعرف في طفولتها الامتيازاتِ العاطفيَّةَ بقدرِ ما عرفت الانضباطَ القاسي.

هذا خلقَ لديها إحساساً مبكِّراً بالوحدةِ والانطواء قبل أن تصف تلك المرحلةَ لاحقاً بأنها «خاليةٌ من الحنان».

بريجيت باردو، 1951  ( AFP)
بريجيت باردو، 1951 ( AFP)

ولادة ظاهرة

وجدت بريجيت ملاذها الأوَّلَ في الباليه، فالتحقت بمعهدِ الرقص، وحلمت بأن تُصبح راقصةً محترفةً، إلى أن جاءت المصادفةُ الكبرى عامَ 1949 حين ظهرت على غلافِ مجلَّةٍ وهي في الـ 15، وهو الحدثُ الذي لفت انتباه المخرجِ روجيه فاديم Roger Vadim، وفتحَ أمامها بابَ السينما.

دخلت باردو المجالَ في أوائلِ الخمسينيَّاتِ بأدوارٍ صغيرةٍ، لم تُحقِّق صدى واسعاً، لكنَّها كشفت عن حضورٍ مختلفٍ، وجمالٍ لا يُشبه نجماتِ عصرها، إلى أن جاء فيلمُ Et Dieu... créa la femme عامَ 1956 الذي شكَّل نقطةَ التحوُّلِ الحاسمة، إذ انتقلت من مجرَّد ممثِّلةٍ صاعدةٍ إلى ظاهرةٍ عالميَّةٍ، وفرضت نفسها بالكاريزما والصورة لا بالأداءِ التقليدي، لتبدأ رحلتها بوصفها أيقونةً فنيَّةً، ومرجعيَّةً جماليَّةً، امتدَّ تأثيرها إلى الموضةِ والصورةِ لعقودٍ لاحقةٍ.

وفي جانبٍ آخرَ، كانت حياةُ باردو العاطفيَّةُ لا تقلُّ صخباً عن مسيرتها الفنيَّة، فهي تزوَّجت أربعَ مرَّاتٍ: المخرجُ روجيه فاديم Roger Vadim، والممثِّلُ جاك شارييه Jacques Charrier، والملياردير الألماني السويسري جونتر زاكس Gunther Sachs، وبرنارد دورمال Bernard d'Ormale. وأنجبت ابناً واحداً، هو نيكولا شارييه Nicolas Charrier من زوجها جاك.

بريجيت باردو في 17 يونيو 1959 ( Intercontinentale / AFP)
بريجيت باردو في 17 يونيو 1959 ( Intercontinentale / AFP)

التوقف عند القمة

في عامِ 1973، اتِّخذت باردو قرارها بالانسحابِ النهائي من السينما. لم يكن القرارُ ناتجاً عن تراجعٍ، بل عن رفضٍ. بريجيت رفضت أن تُستَهلك، أن تُكرَّر، وأن تُختزَل في صورةٍ، لم تعد تشبهها.

وهذا القرارُ، الذي وصفته صحفٌ فرنسيَّةٌ آنذاك بـ «الانتحار المهني»، أصبح لاحقاً أحدَ أهمِّ أسبابِ أسطورتها، فالأسطورةُ، كما يُثبت التاريخُ الثقافي، لا تُبنى بالاستمرارِ القسري، بل بالتوقُّفِ في اللحظةِ الصحيحة. باردو خرجت من المشهدِ، وهي في ذروتها، فتجمَّدت صورتها في الذاكرةِ: شابَّةٌ، حرَّةٌ، وغير قابلةٍ للترويض.

وبعد الفنِّ، كرَّست بريجيت حياتها لقضيَّةِ الدفاعِ عن الحيوانات، ولاحقاً أطلقت مؤسَّسةَ بريجيت باردو التي أصبحت من أكبر المنظَّماتِ المدافعةِ عن الحيواناتِ في أوروبا، وخاضت معاركَ ضاريةً ضد القسوةِ والاستغلال، لتكون دائماً في كلِّ ما تفعله صادقةً حتى القسوة.

لماذا بقيت أيقونة؟

لأنها لم تحاول أن تكون أيقونةً.

لأنها لم تشرح نفسها.

لأنها لم تعتذر عن اختياراتها.

في أرشيفِ الصحافةِ الثقافيَّة، تُوصَفُ بريجيت باردو بأنها «امرأةٌ، سبقت لغتها».

عاشت كما أرادت، وانسحبت قبل أن تُجبر.

فكان الغيابُ، سرَّ الخلود.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram