يعج الإعلام العالمي في الوقت الحاضر بفضيحة «إبستين» التي طالت مجموعة هائلة من المشاهير من السياسيين والفنانين ورجال الأعمال في العالم الغربي، ولا تبدو نهايتها قريبة. ولكن هذه الفضيحة في الحقيقة تتقزم إذا ما قارناها بفضيحة «ووترغَيت» التي هزت الدولة الأمريكية حتى أدت إلى استقالة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عام 1974. وعلى الرغم من إنتاج حوالي عشرين فيلما عن هذه الفضيحة، إلا ان أشهرها كان فيلم «جميع رجال الرئيس» (1976) All The President’s Men المأخوذ من كتاب بالعنوان نفسه، ألفه صحافيان من جريدة «واشنطن بوست» الشهيرة، كانا من كشف هذه الفضيحة السياسية أصلا في مقالات نشرتها جريدة «واشنطن بوست».
وظهر في الفيلم أشهر ممثلي تلك الفترة مثل روبرت ريدفورد ودستن هوفمان ومارتن بلسم وجاك ووردن وجيسن روبردز.
تبدأ أحداث الفيلم عام 1972 حيث يقتحم مبنى ووترغَيت في واشنطن خمسة أشخاص، فيستدعي موظف الأمن الشرطة، التي تلقي القبض على الأشخاص الذين اقتحموا مكاتب الحزب الديمقراطي في المبنى. ويقدم الخمسة للمحاكمة في اليوم التالي، وترسل صحيفة «واشنطن بوست» الصحافي الشاب «بوب ودورد» (روبرت ريدفورد) إلى المحكمة للكتابة عن الموضوع، على أساس أنها قضية ثانوية، ولكن «ودورد» يكتشف أن أحد كبار المحامين حضر للدفاع عن المتهمين الخمسة، من دون أن يتصل أي منهم به، كما يكتشف أن المتهمين كانوا يحملون أجهزة تنصت عند اعتقالهم، وأن أحدهم عرّف نفسه كموظف سابق في وكالة المخابرات المركزية في المحكمة، وان الآخرين أمريكيون من أصول كوبية ولهم علاقة بالوكالة. وأثار كل هذا ريبة «ودورد» الذي أخبر إدارة الجريدة بشكوكه حول أن الأمر أكبر مما يبدو، فتقوم الإدارة بتعيين الصحافي الشاب «كارل برنستاين» (دستن هوفمان) لمساعدة «ودورد»، وتنصح الاثنين بالحصول على معلومات من مصدر معروف وموثوق به. وكان لـ»ودورد» معرفة بشخصية كبيرة في الحكومة الأمريكية، وكان بالنسبة له مصدرا مهما للمعلومات السرية، ولا نعرف من هو إلا أن «ودورد» يسميه «الحلق العميق». وينصح «الحلق العميق» و»دورد» بتتبع أثر المال، أي من دفع المال للمتهمين الخمسة. ويتتبع الصحافيان هذا الجانب ويكتشفان أنهما في متاهة، حتى يكتشفا في النهاية أن رئيس موظفي البيت الأبيض ووزير العدل يشرفان على ميزانية عمليات تجسس وإساءة سمعة منافسي الرئيس نيكسون من الحزب الديمقراطي المنافس. ويخبر «الحلق العميق» «ودورد» أن هذه العمليات تقوم بها جميع الأجهزة الأمنية في الدولة. وتستمر جريدة «واشنطن بوست» في نشر ما يكتشفه الصحافيان، وتبدأ فضيحة عملاقة في الأوساط السياسية الأمريكية، تؤدي إلى استقالة الرئيس الأمريكي نيكسون. وينتهي الفيلم بهذا الحدث.
يعد الفيلم أهم فيلم سياسي في تاريخ السينما الأمريكية، ونال إعجاب النقاد والجمهور، حيث كان نجاحه التجاري كبيرا، كما نال ثمانية ترشيحات لجوائز الأوسكار، نال أربعة منها. وصور الفيلم وكأنه فيلم وثائقي لزيادة مصداقيته، حيث بدت الأحداث والمحادثات واقعية للغاية، بل ربما أكثر مما ينبغي، حيث افتقر إلى عوامل الإثارة، ما جعل تطور الأحداث بطيئا إلى درجة الملل أحيانا، كما كان بالإمكان اختصار الكثير من التفاصيل. ولهذا السبب كان من السهولة للمشاهد أن يضيع بين العدد الكبير من الأسماء والتفاصيل الصغيرة، المذكورة في الفيلم. أما أداء الأدوار، فكان مثاليا من قبل جميع الممثلين باستثناء ذلك الذي مثل دور رجل أمن المبنى، الذي اكتشف الاقتحام، والسبب أنه لم يكن ممثلا، بل رجل أمن بالفعل.. ونجح المخرج ببراعة في تصوير الحياة في مكاتب الجريدة، حيث قام فنيو الفيلم بإعداد غرف وقاعة مطابقة لما موجود في مكاتب جريدة «واشنطن بوست»، لأن إدارة الجريدة رفضت أن تسمح للمخرج بالتصوير داخل مكاتبها. ومع ذلك كانت هناك بعض الفجوات البسيطة في الفيلم، مثلا عادة رئيس التحرير (جيسن روبردز) وضع قدميه على المنضدة بشكل مهين للجميع. وقد بدا ذلك مبالغا به، كما لا يوجد أي دليل على أن رئيس التحرير الحقيقي كان يقوم بعمل مماثل، ولذلك، فإن السبب الأكثر احتمالا محاولة أظهار سلطته في الجريدة. وكانت طريقة الصحافي «كارل برنستاين» (دستن هوفمان) في خداع سكرتيرة المدعي العام ودخوله المكتب غير معقولة، كما أنها لم تذكر في الكتاب الأصلي عن الفضيحة. ومن المفارقات في الفيلم القصة التي ذكرها «الحلق العميق»، أنه شاهد أحد المتورطين في الفضيحة في إحدى الحفلات واضعا يده على شمعة حتى احترق جلده. ولا نعلم سبب هذه الحكاية، فلم تكن موجودة في الكتاب الأصلي، كما أنها مسروقة من مشهد شهير لفيلم «لورنس العرب».
للفيلم تأثير على الثقافة العامة، حتى إن عبارة «اتبع المال» Follow the money التي نسمعها في الكثير من الأفلام البوليسية والسياسية والإعلام الحالي، مأخوذة من جملة ذكرها «الحلق العميق» في الفيلم، على الرغم من أنها لم تذكر في الكتاب الأصلي. ويعده النقاد أشهر وأهم فيلم سياسي في تاريخ السينما الأمريكية على الإطلاق. وكان أحد أهم أسباب شهرته، الانطباع بأن ما ذكر فيه كان حقيقيا، لأنه مأخوذ من كتاب شهير ألفه الصحافيان اللذان اكتشفا الفضيحة بأكملها وعن أشهر فضيحة في التاريخ الأمريكي، كما أنه يرمز إلى حرية الصحافة في الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة أنه يصور اثنين من الصحافيين الشباب قاموا بعملهم على أكمل وجه، ما أدى إلى استقالة أقوى شخص في البلاد، أي رئيس الجمهورية. وجعل الفيلم من يمتهن الصحافة يبدو وكأنه بطل وطني، يسعى إلى الحقيقة وتطبيق العدالة، أي أنه خير دعاية لهذه المهنة، لاسيما أن نهاية الفيلم تبين انتصار الصحافي على السياسي السيئ. وتحول الصحافيان «بوب ودورد» و»كارل برنستاين» إلى صحافيين شهيرين لاسيما الأول الذي أصبح أشهر كاتب سياسي في الولايات المتحدة الأمريكية. كانت هوية «الحلق العميق» الحقيقية مصدر نقاش حاد بين المهتمين بهذه الفضيحة، حيث اقترح البعض شخصيات شهيرة، أو أنه لم يكن شخصا واحدا، بل عدة أشخاص حتى عام 2005 عندما أعلن ماك فيلت نائب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق، أنه كان «الحلق العميق» منهيا جميع الظنون حول هذه الشخصية. واسم «الحلق العميق» مأخوذ من أشهر فيلم إباحي في تاريخ السينما الأمريكية.
كان للفيلم تأثير كبير على صناعة الأفلام السياسية في السينما الأمريكية، من حيث طريقة تناول الموضوع وأداء الممثلين، وأصبح نموذجا لأفلام سياسية شهيرة أنتجت لاحقا مثل «شبكة» Network و»المحادثة» The Conversation، وكذلك مسلسلات شهيرة صورت تأثير الصحافة على حياة الموطن والحياة السياسية وأشهرها «لوغرانت» Lou Grant.
لم يكن روبرت ريدفورد مجرد ممثل في الفيلم فحسب، فحسب الصحافي «بوب ودورد»، كان الممثل من أقنعه وأقنع زميله بكتابة الكتاب عن الفضيحة أصلا. وقام الممثل بشراء حقوق تحويل الكتاب إلى فيلم، والاتفاق مع الشركة المنتجة وطاقم إنتاج الفيلم، لاسيما اختيار المخرج آلان باكولا، والإصرار على التصوير الواقعي لأحداث الفيلم. وليس روبرت ريدفورد جديدا في مجال الأفلام السياسية، حيث كان قد سبق له أن ظهر في بعض أشهرها مثل «المطاردة» The Chase (1966) و»المرشح» The Candidate (1972) و»ثلاثة أيام من الكوندور» Three Days of the Condor (1975). وقد استفاد من خبرته، حيث اختار وليام غولدمان لكتابة النسخة السينمائية للفيلم، إذ اشترك الاثنان في فيلمين شهيرين سابقين. وكعادة روبرت ريدفورد في جميع أفلامه في تلك الفترة فقد كان شعره مصففا بطريقة معقدة وجذابة وركض في أحد المشاهد وكأنه كان يظهر لياقته البدنية.
هل كان ما عرضه الفيلم من أحداث حقيقيا تماما؟ لا يمكن الحكم على هذا، فهو في نهاية المطاف، فيلم سينمائي وليس درسا في التاريخ. ومهما كان الفيلم صادقا لا يمكن ان نهمل الجانبين التجاري والسياسي اللذين يؤثران على عملية إنتاجه، بالإضافة إلى مهارة وصدق كتاب قصته، ولكنه عرض جميل لجميع جوانب الفضيحة الشهيرة.
لا يمكن التقليل من أهمية فضيحة «ووترغيت»، إذ أنها لم تؤد إلى استقالة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون» فقط، بل أدت إلى توجيه اتهامات جنائية إلى تسعة وستين شخصا والحكم بالسجن على عدد كبير منهم. وأشهرهم مدير موظفي البيت الأبيض (ثمانية عشر شهرا) ومستشار الرئيس للشؤون الداخلية (ثمانية عشر شهرا) ووزير العدل السابق ورئيس حملة إعادة انتخاب الرئيس ريتشارد نيكسون (تسعة عشر شهرا) والمحامي الخاص بالرئيس (سبعة أشهر) ومسؤول الفريق الذي اقتحم مبنى «ووترغيت» (أربع سنوات ونصف وخدم منها اثنين وخمسين شهرا). أما الرئيس ريتشارد نيكسون، فقد حصل على عفو من خلفه الرئيس جيرالد فورد.
تعود جريدة «واشنطن بوست» إلى الواجهة هذه الأيام بسبب فصل عدد كبير من موظفيها دفعة واحدة، ما جعل البعض يعدها ضربة لإحدى أشهر الصحف في التاريخ الأمريكي.
زيد خلدون جميل .. باحث ومؤرخ من العراق
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :