كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
لبنان بين الخطاب والقدرة: اختبار الزعامة في زمن الواقعية القاسية
في الدول التي تمرّ بأزمات وجودية، لا يُقاس القادة بحدة خطابهم بل بقدرتهم على إنتاج نتائج. ولبنان، الغارق في انهيار اقتصادي ومؤسساتي غير مسبوق، يقدّم نموذجًا مكثفًا عن الفجوة بين الشعارات والإمكانات. في هذا السياق، يشكّل أداء رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع مادة سياسية أساسية لفهم حدود التأثير داخل النظام التوافقي اللبناني.
منذ انتخابات 2022، رسّخت القوات حضورها كأكبر كتلة مسيحية برلمانيًا، وارتفع سقف خطابها السيادي والإصلاحي. لكن المسار التنفيذي للدولة لم يشهد التحوّل الذي أوحت به نبرة الحملات الانتخابية. فالمعيار في الأنظمة المأزومة ليس حجم التمثيل، بل القدرة على تعديل الاتجاه.
من الوعود إلى الوقائع
قُبيل الانتخابات، جرى ربط الفوز النيابي بإمكانية إحداث صدمة سياسية تنعكس سريعًا على الاستقرار المالي. غير أن الأسواق لم تتبدّل، وسعر الصرف بقي أسير العوامل البنيوية المعروفة: غياب الإصلاحات، انعدام الثقة، وتعثر الاتفاقات الدولية. الاقتصاد اللبناني أثبت مرة جديدة أنه لا يستجيب للخطاب، بل للسياسات.
في ملف الكهرباء، وُعد اللبنانيون بخارطة طريق مدروسة تُحدث فرقًا خلال أشهر. لكن الأزمة استمرت، والهيئة الناظمة التي عُيّنت لم تتحوّل إلى نقطة انعطاف حاسمة.
وفي ملف الفساد داخل وزارة الطاقة، رُفع السقف عاليًا في الحديث عن كشف ملفات ومحاسبة مسؤولين، غير أن النتائج القضائية الملموسة بقيت محدودة أو غير واضحة للرأي العام.
تحوّلات الموقف: براغماتية أم حدود نفوذ؟
في الاستحقاق الرئاسي، عارض جعجع انتخاب قائد الجيش جوزاف عون قبل أن ينتهي المسار بانتخابه ضمن تسوية سياسية.
وفي تسمية رئيس الحكومة نواف سلام، انتقل الحزب من طرح بدائل إلى الالتحاق بالتسمية.
أما في ملف وزارة المال، المرتبط تاريخيًا بموقع الرئيس نبيه بري في المعادلة الطائفية، فلم يتحوّل الاعتراض السياسي إلى تغيير فعلي في قواعد توزيع الحقائب.
هذه التحوّلات يمكن قراءتها كبراغماتية يفرضها نظام لا يتيح الحسم المنفرد. لكنها تُطرح أيضًا كدليل على أن القوة العددية لا تعني تلقائيًا القدرة على فرض الشروط.
ازدواجية داخل السلطة
أحد الإخفاقات السياسية الأكثر وضوحًا تمثّل في التباين بين مواقف الوزراء المحسوبين على الحزب داخل الحكومة، ومواقف نوابه في البرلمان، خصوصًا في ملفات الموازنة والضرائب. هذا التناقض أضعف صورة الانسجام السياسي، وأعطى انطباعًا بوجود “معارضة من داخل السلطة” بدل تحمّل مسؤولية واضحة ومتماسكة.
في أنظمة مستقرة، يُحسم الخيار: إما شراكة كاملة أو معارضة كاملة. أما في الحالة اللبنانية، فقد بدا أن الجمع بين الموقعين أنتج ضجيجًا سياسيًا أكثر مما أنتج تغييرًا فعليًا.
القوة التنظيمية وحدود التأثير الوطني
لا يمكن إنكار أن القوات اللبنانية عزّزت حضورها في الجامعات والنقابات والبلديات، ورسّخت بنيتها التنظيمية. لكن السياسة الوطنية تُقاس بقدرة هذه القوة على التأثير في القرارات الكبرى: الإصلاح المالي، إعادة هيكلة القطاع العام، ضبط الحدود، واستعادة الثقة الدولية.
حتى اللحظة، لم تُترجم هذه القوة إلى إنجاز نوعي يبدّل مسار الدولة أو يفرض أجندة إصلاحية واضحة. وهنا تكمن المعضلة: المشاركة في الحكم من دون أدوات ضغط فعالة قد تحوّل الشريك إلى شاهد على العجز بدل أن يكون صانعًا للحلول.
بين الزعامة والنتيجة
تجربة جعجع في السنوات الأخيرة تعكس مأزقًا أوسع تعيشه الطبقة السياسية اللبنانية: وفرة في الخطاب، ندرة في النتائج.
الشرعية الانتخابية تمنح الصوت، لكن القدرة التنفيذية وحدها تمنح الأثر. وفي زمن عالمي يتجه نحو الواقعية الباردة وتراجع الشعبويات، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل تستطيع القوى اللبنانية تحويل تمثيلها العددي إلى إصلاح فعلي، أم يبقى حضورها محصورًا في إدارة التوازنات لا تغييرها؟
في لبنان اليوم، لا يُطلب من القادة أن يرفعوا السقف، بل أن يغيّروا الأرضية. وفي هذه المسافة بين الشعار والنتيجة، يُكتب مستقبل السياسة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :