قبيل انتخابات مجلس الشعب المصري 1987 اجتمع محمد سليم العوا مع قيادات بارزة في جماعة الإخوان المسلمين واقترح تبني شعار "الإسلام هو الحل" لمرشحيهم، ولكن الشعار كان سابقًا على ذلك، وأتى عنوانًا لكتيب نشره الإخواني السكندري – المنشق لاحقًا – خالد الزعفراني في نهاية السبعينيات، ويقال أنّ الشعار كان يتردد في أوساط الإخوان في الإسكندرية قبل ذلك بسنوات، ويرجعه البعض إلى مرحلة ما بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967.
يرحل الزعفراني بعد معاناة مع المرض سنة 2022 غاضبًا من تجربة الإخوان المسلمين بسبب سرقتهم لإسلام البسطاء وأموالهم المشبوهة وتغييب الديمقراطية والرأي والمشورة داخل التنظيم.
الزعفراني صاحب شعار "الإسلام هو الحل" عارض قرارات المرشد وغادر التنظيم قبيل انتخابات 2013
ثلاث اتهامات حملتها الكثير من الكتابات واللقاءات التي أدلى بها الزعفراني الذي أنهى العلاقة التنظيمية مع الإخوان في 2013 بالتزامن مع ذروة صعودهم السياسي، فمحمد مرسي كان يتأهب لانتخابات رئاسة الجمهورية التي تمكن من حسمها لمصلحته بفارق طفيف عن منافسه في الجولة الثانية الفريق أحمد شفيق.
أتى الانشقاق تعبيرًا عن اعتراض على قرار المرشد العام للجماعة محمد بديع بعدم جواز انضمام أعضاء الجماعة لأحزاب سياسية أخرى، خاصةً وأن الجماعة أسست حزب الحرية والعدالة، وهو الحزب الذي سيطرت عليه جماعة يقودها خيرت الشاطر (المرشح الأصيل للرئاسة قبل اللجوء لخيار مرسي) وحسن مالك، أي الكتلة التي تدير اقتصاد الجماعة وتقبض على مصادر التمويل.
يقال إنّ الجماعة هي التي فصلت الزعفراني لتعديه ضربًا بالحذاء على أحد الأشخاص في المسجد!
يمكن أن تكون الواقعة قد حدثت بالفعل، ولكنها لم تكن سبب الفصل لأن التأمل في تاريخ الزعفراني يدلل على أنه أخذ توجهات مناهضة لمكتب الإرشاد وسلطته، ولا ينفي ذلك أن الزعفراني كان شخصًا انتهازيًا وفقًا لإعلام الجماعة التي أخذت تستعرض مواقفه منذ التأرجح الانتخابي وابتزاز المرشحين المنافسين للانسحاب لمصلحتهم في فترة الثمانينيات، وحتى الوصول إلى ممالأة ما تصفه الجماعة بانقلاب يونيو 2013.
الثمانينات شهدت تراكمًا هائلًا لثروات وشبكة نفوذ الإخوان المالي مع تدفق تحويلات المغتربين.. فتصاعدت الانشقاقات
تبرئة ساحة الزعفراني أو إدانته ليست موضوعًا في حد ذاته، والمطلوب هو تفهم الانشقاقات التي حدثت على مستوى التنظيم في فترة بين جيل السبعينيات والثمانينيات، وعلاقتها بالأحوال المالية للجماعة.
شهدت حقبة السبعينيات هجرة واسعة إلى دول الخليج العربي، وبدأت الأموال تتدفق بالعملة الأجنبية في وقت تأزم اقتصادي واسع دفع الحكومة المصرية لإطلاق حملتي تبرع لسداد الديون بين عامي 1985 و 1989 وصلت إلى 45 مليون دولار أمريكي، وكان طبيعيًا أن يطلب من المراجعين للدوائر الحكومية شراء الطوابع الخاصة بهذه الغاية، مع أنها لم تكن جزءًا من الرسوم القانونية المفروضة على المعاملات المختلفة.
الأموال المتدفقة من تحويلات المصريين في الخليج كانت تعبر في بنية يتحكم بها الإخوان المسلمون والتيارات الإسلامية المختلفة من خلال استثمار العلاقات الاجتماعية القائمة على الثقة، والاستفادة من الفوارق القائمة بين سعر الصرف الرسمي الذي توفره الحكومة وبما يتناسب مع مجمل سياساتها الاقتصادية التي تلتزم بتوفير الدعم لعشرات الملايين من المصريين، وكان الدعم الذي يغطي سلعًا مستوردة بالعملات الأجنبية سببًا لتفاقم دوامة القروض الخارجية، خاصة أن مصر كانت قد خرجت من مرحلة طويلة من التأهب والتعبئة العسكرية في الستينيات والسبعينيات.
تمكن الإخوان من الحصول على العملات الأجنبية، وتوفيرها لتغذية سلوك استهلاكي يستفيد من الانفتاح الاقتصادي الذي قرره الرئيس السادات، وبدأت إمبراطورية الإخوان والسلفيين الأصليين والزائفين مثل السعد والريان تتمدد وتشكل تحديًا وإحراجًا للحكومة المصرية.
كانت الأوضاع الاقتصادية المتردية هي المشكلة التي يحاول الإخوان أن يدفعوا بالإسلام لحلها، وكأن الإسلام كان غائبًا، وكأن مصر عرفت الإسلام مع ظهورهم، ولم تكن بلدًا يحكم بشرعيات إسلامية متصلة لقرون من الزمن، وكأن مؤسسة الأزهر الشريف التي تداخلت في التشريع وفي قرارات سياسية ثقيلة على امتداد أكثر من ألف سنة من تاريخها لم تكن سوى محل آخر لبيع سجادة الصلاة وسبح الكهرمان!
حظي الشعار الذي طرحته الجماعة في 1987 بشعبية جارفة، فالجميع يشعر بالخلل أو بالأزمة، ولكن أحدًا لا يعرف كيف يقاربها أو يقف على أبعادها الكاملة، ولا على دور الإخوان والمقربين منهم في الوصول إلى مشهد معقد اقتصاديًا في مرحلة حرجة شهدت تراكمًا هائلًا لثرواتهم وشبكة نفوذهم المالي، خاصة مع الفريق الذي اقترب من الرئيس السادات ليضعه في مواجهة الشيوعيين والناصريين.
حالة الاختناق الاقتصادي والتعبير المالي عنها لم تكن على علاقة بالإسلام ولكن بظروف دولية وإقليمية وإشكاليات متعلقة بالسكان ومسيرة التنمية، وفي توطن الفساد المترافق مع تغييب الشفافية والرقابة، والإسلام في هذه المنظومة قريب من أي منظومة حوكمة فاعلة يمكن تطبيقها، أما الدور الإسلامي في إدارة المجتمع فهو يمثل قناعات المصريين التي تميل للإسلام المعتدل والمتسامح بوصفه دينًا لشعب مصر وأهلها، وليس وسيلة للوصول إلى السلطة واعتلائها وتقريب الشبكة الكاملة للنفوذ المالي الإخواني.
الصراعات على النفوذ والمال أدت إلى انشقاقات داخل الجماعة أعمق من خروج خالد ومعه إبراهيم الزعفراني من إخوان الإسكندرية، أو ثروت الخرباوي أو غيره، ولكنها وصلت إلى عبد المنعم أبو الفتوح الذي اضطرته سيطرة جماعة النفوذ والمال إلى الخروج والترشح للرئاسة منفردًا، وهو ما كان يمكن أن يجنب مصر أن يتحول قصر الاتحادية إلى خلية تابعة للمرشد العام.
"الإسلام هو الحل" هو الشعار الذي توجه لمشكلة كان الجميع يشتركون في الوصول لها، ومجرد يافطة لا تقول شيئًا جوهريًا، لأنها لم تجرؤ على تعريف المشكلة ولم تقف على حلول حقيقية، فلم تحل المشكلة وحمّلوا الإسلام فشلهم الذي أخذ ينكشف مع وصولهم إلى السلطة وتصاعد الخلاف حول المال والنفوذ.
سامح المحاريق
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :