معرض دمشق للكتاب: احتفال ثقافي أم مرآة لمدينة ما بعد الحرب؟

معرض دمشق للكتاب: احتفال ثقافي أم مرآة لمدينة ما بعد الحرب؟

 

Telegram

في يومه الأخير، يختتم معرض الكتاب العربي في دمشق دورته التي امتدت اثني عشر يوماً من النشاط. وجاءت دورة هذا العام لافتة، إذ عُدّت الأوسع منذ اندلاع الحرب في سوريا، ورأى كثيرون فيها فرصة لإعادة وصل ما انقطع مع عالم الكتاب، واستعادة شيء من العلاقة الحميمة بين القارئ والورق، وبين المدينة وذاكرتها الثقافية.

خلال سنوات الحرب في سوريا، تراجع عالم الكتاب لأسباب متعددة؛ من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى النزوح الواسع الذي جعل فكرة الاستقرار نفسها موضع شك دائم. ففي ظل القلق المستمر، والقتال داخل المدينة، لم يعد كثيرون يفكرون في إنشاء مكتبات خاصة، ولا حتى في شراء كتب جديدة، إذ لم يكن هناك شعور ثابت بالبقاء، ولا حتى بالجدوى من أي نقاش أو قراءة كتاب.

ورغم الفرح بعودة المعرض واتساعه، لم يخل الحدث من نقاشات حادة وهمسات في الأروقة. فقد أثيرت تساؤلات حول هيمنة بعض الأطراف، وحضور عناوين بعينها على حساب عناوين أخرى، بل هيمنة تيارات فكرية إسلامية محددة مقابل تراجع أصوات إسلامية مختلفة. كما سُجّل اعتراض من عدد من المثقفين الذين رفضوا أن يكونوا ضيوفا رسميين ضمن فعاليات المعرض. بعضهم رأى أن افتتاح المعرض يُستخدم أحيانا لرسم صورة ثقافية جميلة عن الجهات المنظمة، أو القريبة من السلطة، أكثر مما يُراد له أن يكون مساحة حرة ومتوازنة للحوار الثقافي. وتوقف آخرون عند مشهد الافتتاح نفسه، متسائلين عن طبيعة الدعوات وتركيبة الحضور. صحيح أن قسما لا بأس به من المثقفين العرب والسوريين كان موجودا، لكن بدا أن الحضور الأكبر جاء من ممثلي مؤسسات رسمية وأجهزة أمنية مختلفة، وهو ما فتح باب المقارنة: هل يُراد للمعرض أن يكون مناسبة ثقافية خالصة، أم يمكن اعتباره بمثابة مرآة لواقع مدينة دمشق اليوم، على الصعيد الاجتماعي والثقافي والسياسي؟

وجود عربي

على الصعيد السياسي، حظي المعرض هذا العام باهتمام عربي لافت، تجلّى في حضور وفود سعودية وقطرية في الأيام الأولى، ولا سيما خلال حفل الافتتاح، إضافة إلى مشاركة وجوه تركية مختلفة. كان هناك حرص معلن على التأكيد أن دعم استقرار سوريا يمكن أن يمر أيضا عبر دعم الفعاليات الثقافية، وفي مقدمتها معرض الكتاب، بوصفه مؤشرا على عودة الحياة العامة وانتظامها. غير أن الحضور العربي لم يقتصر على البعد الرمزي، أو البروتوكولي، بل بدا واضحا في الزخم الذي شهده الجناحان القطري والسعودي من زيارات واسعة وإقبال لافت من الجمهور.
في الجناح السعودي، التقى الزوار بعدد من الأسماء الروائية، من بينهم يوسف المحيميد، صاحب تجارب سردية معروفة في الرواية السعودية المعاصرة. كما ترافقت الفعاليات مع فقرات من الأغاني الشعبية السعودية والقطرية، وعزف حي على العود. كان يمكن رؤية مجموعات من الزوار تتوقف وسط المعرض، تنصت، تلتقط الصور، وتشارك في الأجواء العامة، وهو ما منح المعرض بعدا احتفاليا يخفف من وطأة السنوات الثقيلة.

عريس المعرض

أما على صعيد الكتاب نفسه، بوصفه «عريس المعرض» كما يقال بالشامية، فيمكن القول إن الصورة لم تكن منفصلة عن الواقع العام. فالمعرض، في جانب منه، بدا مرآة دقيقة لحال الكتاب في دمشق خلال السنوات الأخيرة؛ من حيث نوعية العناوين المتاحة، وأعداد الكتب المطبوعة، وحتى في طبيعة الإقبال.
من يسير في شوارع دمشق يشعر تماما بحجم ما فعلته الحرب؛ سواء على مستوى البشر، أو مستوى الأماكن أيضا. هناك شوارع فقدت ملامحها، وأخرى فقدت روحها، ومن بينها شارع الحلبوني، الذي كان يوما أحد أهم شوارع المكتبات ودور النشر في المدينة.
في هذا الشارع، غالبا ما يعثر القارئ اليوم على عناوين قديمة، أو على كتب التراث الكلاسيكية التي كانت تشكل جزءا من المشهد الثقافي التقليدي، لكن حسب بعض العاملين في هذا السوق، فإن هذه الكتب لم تعد تُفتح كما في السابق، خصوصا من قبل الجيل الجديد في الشام.
يروي بحسرة محمد النوري صاحب مكتبة النوري، وهي واحدة من مكتبات قليلة صمدت خلال سنوات الحرب، أن ما جعله يصمد في السنوات الأخيرة، رغم إقفال كثير من المكتبات المجاورة، لم يكن الربح المادي، بل البعد الرمزي للمهنة. فقد قضى عمره مع والده في صناعة الكتاب وبيعه ـ افتتحها والده عام 1932 ـ وكان إغلاق المكتبة يعني، بالنسبة إليه، إغلاق سيرة عائلية كاملة. لذلك واصل العمل، حتى في أصعب الظروف، دفاعا عن معنى أكثر من كونه تجارة. مع ذلك، يؤكد أن الجمهور لم يعد يقرأ الكتب الفكرية كما في السابق، وأن الجيل الشاب باتت لديه اهتمامات أخرى. وهذا الأمر يمكن ملاحظته في الحي ذاته من خلال عناوين الكتب المنتشرة على البسطات. إذ نعثر على عناوين روايات لمؤلفين غير معروفين في الأوساط الثقافية العامة، لكنهم يحظون بمتابعة كبيرة من الشباب، ومعظمها يدور حول الرعب والجرائم أو الوعظ الديني «الخفيف». وعند النظر في هذه العناوين ومحتواها، يخيل أحيانا أن الحرب ربما انتهت عسكريا في سوريا، لكن حالة الخوف لم تنته في عقول الشبان.
إلى جانب ذلك، ثمة إقبال ملحوظ على الكتب الدينية ذات الطابع الدعوي المعاصر، التي يكتبها دعاة أو كتاب إسلاميون جدد، مثل أحمد الشرقاوي، وهو كاتب من أصول فلسطينية ولد في لبنان، وباتت كتبه تحظى باهتمام كبير بين الشبان، وهي تختلف في لغتها وأسلوبها عن كتب الفقه الكلاسيكية، أو المؤلفة من رجال دين معاصرين مثل وهبة الزحيلي، أو تلك التي تحمل قراءات أخرى مثل محمد شحرور، والتي كانت تحظى باهتمام كبير في سنوات ما قبل الحرب.
فالجمهور الجديد من القراء يميل إلى نصوص بلغة يومية، وبجانب تحفيزي مباشر، أكثر من ميله إلى المؤلفات الفقهية المطولة. هذا المشهد كان واضحا أيضا في معرض الكتاب نفسه؛ ففي حفلات التوقيع الخاصة بأدهم الشرقاوي أو أيمن العتوم، كان يمكن ملاحظة طوابير طويلة من القراء، معظمهم من فئة الشباب، ينتظرون الحصول على توقيع والتقاط صورة.
غالبية هذه الكتب تدور حول سير الصحابة، مثل عمر بن الخطاب، والنبي، وزوجاته، وتعيد تقديم التاريخ الإسلامي في قالب قصصي سهل، أقرب إلى القراءة السريعة منه إلى البحث الأكاديمي. في المقابل، بقيت الكتب الفكرية ذات الطابع النقدي أو المترجمة تستقطب شريحة معينة. يمكن ملاحظة ذلك مثلا في أجنحة مثل الشبكة العربية للأبحاث والنشر، التي أصدرت في السنوات الأخيرة سلسلة ترجمات مهمة حول العنف، والانتقال السياسي، والإسلام اليومي، وقضايا الدولة الحديثة. لكن جمهور هذه الكتب يبقى محدودا مقارنة بالجمهور الواسع الذي يتجه نحو الكتب الدينية الشعبية أو الروايات ذات الطابع العاطفي. ولعل هذا المشهد لا يعكس حالة سوريا وحدها، بل يبدو جزءا من مزاج عام يمكن رصده في معارض أخرى، سواء في القاهرة أو الشارقة، إذ تحولت بعض الكتب التي تتحدث عن الإسلام بلغة شعبية أو تحفيزية (شبيهة بكتب التنمية الذاتية) إلى ظاهرة جماهيرية، يبحث القراء من خلالها عن الطمأنينة والنجاح والهوية.

مشاركة عربية.. ولكن؟

هذا العام بدا المشهد أكثر انفتاحا من حيث عدد الأجنحة العربية الحاضرة، غير أن الصورة لم تكن مكتملة. فقد غابت دور نشر بارزة اعتاد القارئ السوري على رؤيتها في المعارض، مثل دار الساقي اللندنية، أو دار الشروق المصرية، إضافة إلى غياب ملحوظ لدور نشر مغربية وخليجية. هذا الغياب قد يعكس قدرا من الحذر، أو القلق لدى بعض الناشرين تجاه طبيعة السوق السورية، والقدرة الشرائية الضعيفة لدى شريحة واسعة من السوريين، وارتفاع أسعار الكتب مقارنة بالدخل المحلي. في المقابل، بدت بعض الدور في مشاركتها، وكأنها لا تملك رهانا تجاريا بقدر ما حاولت أن تظهر موقفا رمزيا. فهو حضور تضامني، أو ربما عاطفي، مع مدينة خرجت من حرب طويلة، وتحاول أن تستعيد روحها.


ربما كانت دار المتوسط، لصاحبها الشاعر خالد الحسيني، من أكثر الدور حضورا ووضوحا في المعرض هذا العام، سواء من خلال تنوع عناوينها أو من خلال جناحها الذي حمل طابعا خاصا ومميزا. بدا الجناح كأنه مساحة مستقلة داخل المعرض، بانتقاءاته الأدبية والفكرية الغنية، وحتى بطريقة تصميمه.
وفي حديثنا مع الحسيني، ذكر أن ما دعاه للمشاركة هو رغبته في أن يكون للدار حضور في أول معرض كبير للكتاب في سوريا بعد سنوات الانقطاع، وألا يغيب اسم «المتوسط» عن هذه اللحظة. فخالد، وهو من أبناء سوريا الذين اضطروا إلى مغادرة البلاد خلال السنوات الماضية، بدا كأنه يعود عبر الكتب ليكتشف المدينة مرة أخرى. اللافت أيضا ظهور بعض الدور السورية الجديدة التي تركز على اتجاهات إسلامية، مثل دار نقش، التي تأسست قبل سنوات في إدلب، وأثارت نقاشا بسبب طبيعة عناوينها وخطابها، إذ تميل إلى طرح ذي طابع تعبوي أو سلفي واضح، وتدور حول مفاهيم مثل «التحرير»، أو «المعركة»، وغيرها من المفردات ذات الشحنة الأيديولوجية.
ألين داوود سيدة دمشقية، تعمل في إحدى الشركات الخاصة، ومن أصحاب الدخل المرتفع نسبيا. ومع ذلك، بدت لها أسعار الكتب غالية، وبالأخص المترجمة. وعلى الرغم من محاولة دور النشر تقديم خصومات وصلت إلى 50 في المئة، بقي الشعور سائدا بأن الكتاب ما يزال سلعة باهظة الثمن مقارنة بواقع الرواتب. فمتوسط أجور شريحة واسعة من السوريين يتراوح بين 100 و150 دولارا، ولذلك سيجد القارئ صعوبة في تخصيص ربع راتبه أو ثلثه لشراء كتابين، أو ثلاثة، مهما كانت رغبته في القراءة.

معرض أم سيران؟

ظاهرة السيران في دمشق جزء قديم من تقاليد المدينة وذاكرتها الاجتماعية والدينية. ويروي البديري حلاق المدينة، في يومياته التي دونها منتصف القرن الثامن عشر، أن الشيخ عبد الغني النابلسي (1641–1731)، وهو عالم صوفي دمشقي، كان يخرج مع مريديه إلى أطراف المدينة في نوع من الخلوة، التي تجمع بين التصوف والطبيعة، بينما كان تجار دمشق يزورونهم حاملين الهدايا، ولاسيما القهوة. ولعل ما جعل ظاهرة السيران جماعية في دمشق هو الإرث الصوفي للمدينة. وبعد اندلاع الثورة والحرب في سوريا عام 2011 وظهور الحواجز الأمنية والقيود الصعبة، تقلصت مساحات الخروج، وأصبح التنقل نفسه صعبا. ثم عاد الوضع ليتحسن قليلا على مستوى الحركة بعد عام 2018 وهو ما سمح للدمشقيين باستعادة هذه العادة، ولكن على نطاقات محدودة.
اللافت أن معرض الكتاب هذا العام بدا وكأنه امتداد حديث لطقس السيران. فعلى الرغم من إقامته خارج مركز المدينة، كان الملاحظ استمرار كثافة حضور عائلات بأكملها تسير بين الأجنحة. بعضهم لم يشتر كتبا أصلا، لكنهم جاؤوا ليكونوا جزءا من الحدث: التجوال، والتقاط الصور، وشرب القهوة التي وزعتها بعض ماركات القهوة في المدينة مجانا. هذا المشهد دفع البعض إلى القول إن الناس جاءت من أجل السيران، أكثر مما جاءت من أجل شراء الكتب. ومع ذلك، يمكن قراءة هذا المشهد من زاوية أخرى؛ فالمعرض أتاح للسوريين فرصة لاستعادة حق بسيط، وهو التجوال في المدينة.

كتاب وجنود!

رغم الظواهر الإيجابية التي يمكن رصدها في المعرض، برزت أيضا مشاهد أثارت قدرا كبيرا من الجدل بين الزوار. من أبرزها ظاهرة مواكب المسؤولين، ولاسيما موكب وزير الثقافة، الذي كان يصل إلى المعرض بموكب أمني لافت داخل فضاء يفترض أنه ثقافي ومدني. ولم يخف بعض الزوار أن هذه المواكب تضفي جوا من التوتر، أو القلق داخل المعرض، في وقت كان يفترض فيه أن يكون المكان مساحة آمنة ومفتوحة للجميع. وهذا النقد لا يمكن فصله عن المزاج العام في دمشق، وبقية المدن السورية اليوم. فالنقاشات اليومية باتت تدور حول قضايا معيشية ضاغطة: الكهرباء، وارتفاع الأسعار، وتفاوت أنماط الحياة بين الناس العاديين وبعض المسؤولين، ولاسيما مع تكرار مشهد المواكب في الشوارع. لذلك أصبح الأمر محل احتقان صامت يتجدد في كل مناسبة عامة.
النقطة الثانية تمثلت في وجود جناح خاص بالجيش السوري داخل المعرض. إذ لم يعتد السوريون، حتى في أصعب المراحل الأمنية، على رؤية قسم عسكري مستقل ضمن فعالية ثقافية مخصصة للكتاب. لكن هذا العام كان الحضور واضحا، سواء من خلال عرض مجسمات مرتبطة بالعمليات القتالية، أو من خلال كثافة الحضور العسكري بلباسه الرسمي داخل أروقة المعرض، ما أثار تساؤلات حول الهدف من هذا الجناح، وما الرسائل التي يراد إيصالها من وضع السلاح ـ ولو رمزيا ـ إلى جانب الكتاب. هل هو للتأكيد على سردية معينة تتعلق بالانتصار؟ أم لأنه يكشف عن صورة أعمق مفادها، أن الحرب لم تخرج بالكامل من مناخ الصراع بعد، وأن السلاح قد يكون عاملا حاضرا في رسم ملامح المستقبل السياسي؟
عموما، ورغم كل الملاحظات والجدل الذي رافق الدورة الحالية، يمكن القول إن المعرض شكل مناسبة لخروج الناس، وللتجوال مع الأهل والأصدقاء، ولإعادة إحياء فكرة القراءة والكتاب، وفرصة مهمة لدور النشر السورية للعودة إلى الحياة بعد لحظات «الإبادة» إغلاق المكتبات، التي عاشتها في السنوات الماضية.

محمد تركي الربيعو .. كاتب سوري

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram