موانىء المتعة: السياسة والجنس في الشرق الأوسط خلال الحربين العالميتين

 

Telegram

في مطلع القرن العشرين، كان العالم يتحرك بسرعة غير مسبوقة. إذ غادر ملايين البشر قراهم ومدنهم، وعبروا البحار والمحيطات، وانتقلوا من أوروبا إلى الأمريكتين، ومن الدول الأوروبية إلى مستعمراتها، كما تنقلوا داخل افريقيا وآسيا وبين مستعمراتهما. لم تكن الهجرة وحدها هي التي اتسعت، بل رافقتها حركة كثيفة للأفكار والسلع والمعلومات وحتى الأمراض. وقد ساعدت السفن البخارية والسكك الحديدية والتلغراف على تقليص المسافات، وجعلت العالم أكثر ترابطا من أي وقت مضى. في هذا السياق الجديد، لم تعد الحدود حواجز صلبة كما كانت من قبل، بل أصبحت نقاط عبور.

ضمن هذه الحركة العالمية الواسعة، كانت هناك فئة غالبا ما ظلت خارج السرديات الكبرى للهجرة، وهي النساء العاملات في الدعارة. فقد انتقلت نساء يهوديات من شرق أوروبا إلى مدن بعيدة مثل، بومباي وكيب تاون والإسكندرية وبوينس آيرس، وعملت فرنسيات في الدار البيضاء والجزائر وتونس، كما انتقلت سوريات وإيطاليات ويونانيات إلى بورسعيد والإسكندرية. وغالبا ما كان وجودهن أمرا ليس عرضيا، بل مرتبطا بتحولات اقتصادية واجتماعية أوسع. فالهجرة الكثيفة للرجال إلى الموانئ والمدن الصناعية ومواقع العمل الاستعماري، خلقت خللا عدديا بين الجنسين، ومع ازدياد عدد الرجال ازداد الطلب على الدعارة. كما ساهمت الحروب العالمية والاستعمار في نقل الجنود والبحارة عبر القارات، وظهرت السياحة العالمية وشبكات رجال الأعمال والمستوطنين، فصار الطلب يتنقل مع حركة هؤلاء.

 

وتشير المؤلفة ليعات كوزما في كتابها «نساء عابرات للعالم وموانئ استعمارية: الدعارة في الشرق الأوسط بين الحربين العالميتين»، إلى أن دراسة الدعارة المنظمة تكشف جوانب أساسية من تشكّل النظام الدولي الحديث، وتُظهر كيف تداخلت الهجرة والاستعمار والعمل الإنساني في فضاء شرق وجنوب المتوسط. تحركت بائعات الهوى، مثل غيرهن من العمال، ضمن شبكات عابرة للحدود. كثيرات تبعن أبناء بلدانهن، أو سماسرة يعرفون مسارات الهجرة وأسواقها. ولا يمكن فهم انتشارهن الجغرافي، من دون النظر إلى العوامل التي دفعت إلى الهجرة أصلاً، وهي عديدة، مثل المذابح التي دفعت يهود شرق أوروبا إلى الفقر والتشرد، والبؤس في الجنوب الإيطالي، والتهميش الاقتصادي في الريف السوري أو الجزائري، ولذلك كانت الدعارة جزءا من اقتصاد عالمي ناشئ، تتحرك داخله النساء كما يتحرك التجار والجنود والعمال.

مع توسع هذه الحركة، بدأت الحكومات تفكر في كيفية تنظيمها، ظهرت أنظمة لترخيص بيوت الدعارة وإخضاع النساء لفحوص طبية دورية، خاصة للكشف عن الأمراض التناسلية، وهذه الرؤية اعتمدت على الاستفادة أيضا من التجارب الأخرى، إذ نرى مثلا أن الحكومة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى راقبت الحكومات الأخرى الفرنسية والبريطانية، وتبادلت الخبرات معها. وهكذا، نرى أن تاريخ الدعارة في الشرق الأوسط، ليس مسألة أخلاقية أو صحية داخل مدينة بعينها، بل أصبح موضوعا يثير نقاشا يتجاوز الحدود الوطنية.

 

 

 

بعد الحرب العالمية الأولى، دخل عنصر جديد غيّر طبيعة هذا النقاش تمثل في ظهور عصبة الأمم. كانت هذه أول منظمة دولية تسعى إلى تنظيم العلاقات بين الدول بصورة مؤسسية. ومن بين القضايا التي تناولتها مسألة «الاتجار بالنساء والأطفال»، وهي التسمية التي كانت تُستخدم آنذاك للإشارة إلى تهريب النساء لأغراض الدعارة. وقد أنشأت العصبة لجنة استشارية لمتابعة هذه المسألة، وأرسلت محققين إلى مدن مختلفة، من بينها مدن في شرق المتوسط وشمال افريقيا، وفي هذا التحول، انتقلت الدعارة من كونها شأنا إداريا محليا إلى قضية تُناقش في إطار دولي.

 

تتوقف المؤلفة في هذا الصدد عند حادثة تعود لعام 1925، وتكشف مدى حساسية الموضوع، ففي رواية «بئر يعقوب» للكاتب الفرنسي بيار بنوا، تتبع القصة سيرة امرأة يهودية فقيرة تُدعى هاجر، تنقلت بين إسطنبول وسالونيك والإسكندرية وإزمير وأثينا وحلب وبيروت، قبل أن تنتهي في حيفا. تقدم الرواية شرق المتوسط كفضاء مفتوح للحركة، خاصة للنساء المهمشات، اللواتي يبحثن عن مخرج من الفقر، لكن عندما تُرجمت الرواية إلى الإنكليزية، ورد فيها، عرضا، أن الدعارة كانت منظمة في «الأرض المقدسة». أثار هذا الأمر احتجاجا رسميا من السلطات البريطانية في فلسطين، التي رأت في العبارة مساسا بصورتها وبسياساتها. جرى تعديل العبارة لاحقا في طبعات جديدة. تكشف هذه الحادثة الصغيرة أن مسألة تنظيم الدعارة لم تعد مسألة أخلاقية فحسب، بل كانت مرتبطة بالهيبة الاستعمارية، وبالسؤال عما إذا كانت السلطة تعترف علنًا بتنظيم هذا النشاط. في العام نفسه، أرسلَت عصبة الأمم محققا أمريكيا يُدعى بول كِنسي إلى الإسكندرية وبورسعيد. وقد أجرى كِنسي مقابلات مع سماسرة أجانب، بعضهم كان يقيم في إسطنبول ويدير بيوت دعارة في القاهرة وبومباي، وآخر كان يملك فندقا في إسطنبول ويشرف على نساء يعملن في بيروت والإسكندرية. سمع عن سمسار له تاريخ مهني في شنغهاي، وآخر كان يعبر الإسكندرية في طريقه من بومباي إلى مرسيليا. وثّق كِنسي أساليب تهريب النساء، بما في ذلك استخدام وثائق مزورة أو إخفائهن بين بضائع السفن لتجنب الرقابة، وسجّل ما كانت النساء يتقاضينه، وكيف توزّع الأرباح، وطبيعة العلاقات بين السماسرة والبغايا. وقد رسم تقريره خريطة عالمية لشبكات الدعارة، وأظهر أن الشرق الأوسط لم يكن هامشا، بل جزءا من منظومة دولية واسعة. لكن تقارير كِنسي تكشف أيضا جانبا آخر، وهو كيف أن السماسرة الأجانب، كانوا يتمتعون بامتيازات قانونية تجعلهم عمليا فوق القوانين المحلية. كما تعكس هذه التقارير مركزية أوروبية في النظر إلى المشكلة، حيث تُنتج معرفة واسعة عن الدعارة عالميا، لكنها تنطلق من افتراضات ومعايير أوروبية.

 

كان تنظيم الدعارة في المستعمرات يخدم أهدافا متعددة، فقد رأت السلطات الاستعمارية الفرنسية أو البريطانية في الترخيص والفحص الطبي وسيلة لحماية الجنود والمستوطنين الأوروبيين من الأمراض التناسلية، وأداة للسيطرة على حركة النساء وتنظيم الفضاء الحضري، وهذا ما نراه في بعض الأحياء في بيروت خلال الفترة الفرنسية، أو حتى في حي بحسيتا في حلب، إذ كانت بيوت الدعارة تُحدد في مناطق معينة، بعيدا عن الأحياء الأخرى، وأحيانا يُفصل بينها حسب العرق. هكذا أصبح تنظيم الدعارة جزءا من إدارة المدينة الاستعمارية، ومن ضبط الحدود بين الفئات الاجتماعية والعرقية. مع ذلك، لم تكن السياسات متطابقة في كل مكان. ففي فرنسا، كان تنظيم الدعارة راسخا في الوطن والمستعمرات، بينما أُلغي في المدن العسكرية البريطانية وداخل بريطانيا منذ أواخر القرن التاسع عشر، مع استمراره بصورة انتقائية في المستعمرات. انعكس هذا الاختلاف في مواقف الدول داخل عصبة الأمم، وفي النقاشات الطبية والنسوية، إذ سعت نسويات بريطانيات إلى تصدير فكرة إلغاء التنظيم، معتبرات ذلك مسألة أخلاقية، بينما رأى بعض الإلغائيين الفرنسيين أن إنهاء التنظيم سيُحسّن صورة الإمبراطورية الفرنسية. وهكذا تداخلت الاعتبارات الأخلاقية مع التنافس الاستعماري والاعتبارات الوطنية.

سوق رقيق!

 

أما مسألة «الاتجار بالنساء» فقد أثارت جدلا واسعا. هل كانت النساء يُختطفن ويُبعن فعلا كما تصوّر بعض الخطابات المثيرة، أم كنّ يهاجرن بإرادتهن؟ تشير المصادر المعتمدة هنا إلى أن بعض الحالات كانت قسرية، خاصة في سياق الفقر المدقع، أو الاضطهاد، لكن كثيرا من الحالات كانت تتعلق بهجرة نساء اتخذن قرارا في ظل ظروف اقتصادية صعبة. وتعتقد المؤلفة أنه في ظل هذه الظروف يصبح الخط الفاصل بين الإكراه والاختيار غير واضح، وتظهر مناطق رمادية لا يمكن حسمها بسهولة، لذلك يبدو الحديث عن «هجرة من أجل الدعارة» أكثر دقة من افتراض وجود شبكة اختطاف عالمية في كل حالة. كانت فترة ما بين الحربين العالميتين لحظة تفاؤل خاص. واعتقد كثيرون أن الحرب الكبرى فتحت المجال لإعادة تنظيم العالم على أسس أكثر عدالة، وأن التعاون الدولي يمكن أن يخفف من الفوضى ويضبط الحركة العالمية. ظهرت عصبة الأمم كمؤسسة تُنسق جهودا في مجالات الصحة العامة، واللاجئين، والاتجار بالبشر. لكن هذا التفاؤل كان محدودا بواقع هيمنة القوى الاستعمارية داخل المنظمة، وباستمرار عدم المساواة بين الدول والشعوب.

تكشف دراسة الدعارة المنظمة في شرق وجنوب المتوسط، أن ما بدا موضوعا اجتماعيا محدودا، ربما شكّل مدخلا لفهم تشكّل العلاقات الدولية. فالموضوع لم يتعلق فقط ببيوت دعارة في الإسكندرية أو بيروت، بل بشبكات هجرة، وسياسات استعمارية، ونقاشات دولية في جنيف، وصراعات حول الأخلاق والهيبة الوطنية. ومن خلال هذه العدسة، يظهر أن «العالم الدولي» لم يتشكل فقط في المعاهدات والمؤتمرات، بل أيضا في الحياة اليومية، في الموانئ، وفي العيادات، وفي العلاقات غير المتكافئة التي ربطت بين أوروبا ومستعمراتها في الشرق الأوسط.

 

  محمد تركي الربيعو  … كاتب سوري

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram