غازي العريضي*
من المؤسف أن يرافق زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة الأميركية هذا الكمّ من الاستهداف والانتقاد ومحاولات التخريب، وتطويق كل سعي لتأمين المساعدات اللازمة للجيش، لاستكمال مهامه في تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة.
الرجل على رأس المؤسسة العسكرية التزم قرارات الحكومة وأكد الاستمرار في ذلك. أنجز المرحلة الأولى من المهمة بالتعاون مع الأهالي وكل المعنيين. قدّم الخطط وما تحقق منها أمام مجلس الوزراء. كان صادقاً في معلوماته وإمكانات المؤسسة واستعداداته، في ظل استمرار العدوان الاسرائيلي الذي لم يتوقف، ويعيق تنفيذ الخطوات المطلوبة. محاولات التخريب من الداخل اللبناني ولبنانيين في الداخل الأميركي، خصوصاً بعد لقاء العماد هيكل السيناتور ليندسي غراهام الذي أعلن أنه أوقف اللقاء بعد 5 دقائق لأن القائد لم يقرّ بأن "حزب الله إرهابي"، ومثل هذا القرار والتوصيف لا يطلقه هو إنما تتخذه الحكومة اللبنانية وهذا لم يحصل! وكان المقصود نصب فخ أو توريط قائد الجيش، لتحميله مسؤولية عدم تقديم المساعدات، في وقت كان أركان الإدارة الأميركية يلتقون رموزاً من حماس، والرئيس ترامب يشير إلى نيتهم في التعاون لتنفيذ المرحلة التالية من غزة، وإلى التزامهم بالمرحلة الأولى، وسبق للأميركيين أن التقوا قادة طالبان وهي حركة مصنفة إرهابية، واستخدموا منظمات متطرفة هنا وهناك ولعبوا مع الجميع من أجل مصالحهم، وفاجأ الرئيس ترامب كثيرين بتغير الموقف من الرئيس الشرع، وتبنّيه وتقديم كل الدعم لمسيرته بعد سقوط النظام القديم!
وفي التوقيت أيضاً، كان رئيس الجمهورية يلتقي وفداً من حزب الله بقيادة رئيس كتلته النيابية النائب الحاج محمد رعد، وهي كتلة برلمانية كبيرة جاءت بخيار الناس. اللقاء -كما أكد مطلعون على نتائجه- كان جيداً. يفتح صفحة حوار جدي مختلفة عمّا ساد العلاقات والاتصالات من تشنّجات. تلا ذلك زيارة رئيس الحكومة إلى الجنوب ولقائه بالأهالي بحضور ممثلي نواب أمل وحزب الله، وعدد من البلدات التي تمثل التنوّع الجنوبي، والكلام واضح: الوقوف إلى جانب الأهالي. هؤلاء أهلنا. الدولة لن تتخلى عنهم. وكان رئيس الجمهورية قد أكد الموقف ذاته في مقابلته التلفزيونية بداية الشهر الفائت عندما أعلن بوضوح "بمعزل عما جرى خلال الحرب، هؤلاء لبنانيون. أبناؤنا. نحن مسؤولون عنهم. ولن نتركهم". ويكرّر دائماً التأكيد على مسؤولية إسرائيل في الاحتلال والقتل ومنع عودة الأهالي وعدم الالتزام بأي بند من بنود اتفاق وقف الأعمال العدائية، واعتماد سياسة الأرض المحروقة في الجنوب والتهديد بتمدّدها إلى مناطق لبنانية أخرى، ومناشدة العالم الضغط عليها لوقف عدوانها. وثمة تلازم بين موقفي رئيس الجمهورية والحكومة في التعبير عن تأثير هذه الأعمال العدوانية الاسرائيلية على تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة. وهذا ما أشار اليه أكثر من مرة قائد الجيش، ما يعني أن المسؤولية لا تقع عليه وعلى المؤسسة العسكرية التي تلتزم قرار السلطة السياسية وتنفذه.
بعض الذين حاولوا التشويش على زيارة العماد هيكل هم المتفرغون للمطالبة علناً بعدم تقديم أي مساعدة للبنان قبل التخلّص من سلاح حزب الله. ومن دون هذه المساعدة لا يملك الجيش الإمكانات. فماذا يريدون؟ استكمال تدمير البلد ثم تُبحث الأمور؟ وهؤلاء لم يكتفوا بانتقاد المسؤولين اللبنانيين بل ذهبوا إلى انتقاد المسؤولين العرب، السعوديين وغير السعوديين، وزيارات بعضهم إلى واشنطن ومطالبتهم بتفهّم الواقع اللبناني، كما بتفّهم خطورة إشعال المنطقة بحرب مع إيران، وكأنهم يتمنون حصول كل هذه الكوارث واهمين أنهم سيكونون ممسكين بزمام الأمور في لبنان وخارجه. أقل ما يقال، هذه سذاجة في التفكير. وهم لا يريدون الاقتناع بأن لعبة الدول وعلى رأسها أميركا ومع الرئيس ترامب تحديداً، هي أكبر من أحلامهم وخيالاتهم وأوهامهم. وهذا درس الأكراد في شمال سوريا: "لقد انتهى دوركم"، قالها توم براك عندما حاولوا الالتفاف على اتفاق وقّعوه مع الحكومة السورية!
وفي لبنان، كان لقاءان منفردان في قصر بعبدا عقدهما رئيس الجمهورية مع كل من سفير أميركا ميشال عيسى وسفير مصر علاء موسى بعد عودة الاثنين من القاهرة. المعلومات من أميركا إلى بيروت مروراً بالقاهرة وغيرها، تشير إلى أجواء مخالفة لما أشاعه لبنانيون للأسف، ثمة توجّه لمساعدة الجيش، ويجب استكمال التحضيرات لعقد مؤتمر باريس الخاص بهذا الالتزام.
كل هذا لا تريده إسرائيل. وقد حصل بالتزامن مع بدء المفاوضات الأميركية الإيرانية في عُمان، وتأكيد الرئيس ترامب أنها كانت إيجابية وأن الطرف الآخر جاد في الوصول إلى اتفاق! وإسرائيل لا تقبل هذا الأمر أيضاً. لذلك سارع نتانياهو إلى طلب موعد عاجل. وسيلتقي الرئيس الأميركي بعد أيام في واشنطن. وكان قد سبقه إليها رئيس الموساد ورئيس الشاباك. إسرائيل لم "تبلع" خطوات غزة. تحاول عرقلتها. تأخيرها. إسقاطها إذا أمكن. تريد الحرب على إيران لاسقاط النظام نهائياً، والاستفادة من الفرصة المتاحة. تهاجم الذين تدخلوا لتأخير الضربة وتسهيل العودة إلى المفاوضات، وتريد استكمال حربها ضد لبنان، بما يعزز موقع نتانياهو في استعداداته للانتخابات، وإصراره على العودة إلى رئاسة الحكومة وهو مطوّق داخلياً بحسابات كثيرة. ولذلك أطلق تصريحاً قبل وصوله إلى واشنطن: "المفاوضات مع إيران يجب أن تقرّ الحد من صواريخها البالستية ودعم محورها"! وفي ذلك إشارة على إصراره على استكمال الحرب ضد لبنان تحت هذا العنوان، ولو كان الجيش يسير بخطى ثابتة لتحقيق الهدف وتنفيذ قرارات الحكومة بشكل مدروس وعقلاني.
سئلت منذ أيام ما الذي يريح لبنان اليوم فقلت: "معادلة دولة إقليمية مناسبة، وعقل داخلي". لا المعادلة متوفرة حتى الآن والعقل الداخلي مصاب بعطب. وإذا لاحت فرصة لمثل هذه المعادلة، ينبغي محاولة الاستفادة منها والتقاط اللحظة المؤاتية. يخرج لبنانيون من هنا وهناك بتصرفات ومواقف في الداخل والخارج معاكسة لذلك. ألا يشكل هذا خطراً على الجميع ويعطي صورة واضحة سلبية عن هذا العطب؟ أوقفوا هذه السياسة: لن يخرج أحد رابحاً منها.
*نائب ووزير سابق
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :