في وسط ليوبليانا، قرر مطعم أن يسابق الزمن ويدخل حيز المستقبل. فعندما يلج إليه زبون، سوف يعثر على رمز مثبت على طرف الطاولة. بعد مسح الرمز بالموبايل تظهر على الشاشة قائمة الأطعمة. يختار الزبون ما يشاء ثم يدفع من الموبايل كذلك. ومن غير أن يبرح مكانه، سوف يتقدم إليه روبوت ويتيح له الطلب، وهو يردد آليا كلمات شكر وترحيب.
يتناول الزبون أكله ثم يغادر، في مكان لن يرى فيه نادلا ولا قابضا، بل كل المعاملات تجري بالذكاء الاصطناعي. وليس بعيدا عن المطعم تبشر واحدة من شركات السيارات زبائنها بدخول خدمة جديدة، تساعد على السياقة بالحد الأدنى من الجهد، لأنها سياقة أوتوماتيكية للسيارة، تستخدم الذكاء الاصطناعي في نظام التشغيل. وكذلك الحال في مكاتب العمل، صار الموظف يكسب ساعات راحة أكثر مما سبق، مستفيدا من الذكاء الاصطناعي، الذي يقلص حجم الجهد والتعب، إلى درجة نتساءل فيها: هل المكاتب في حاجة إلى سكرتير، كما جرت عليه العادة؟ من جهتهم فإن الأولياء صار بوسعهم متابعة الواجبات المنزلية، التي يأتي بها الأطفال من المدرسة، يساعدونهم في حل التمارين بيسر، مستفيدين من الذكاء الاصطناعي. كما تقلص حجم الجهد الذي يبذله مهندس، أو طبيب، أو مصمم مواقع إلكترونية. إننا نعيش في المرحلة التمهيدية من تاريخ الذكاء الاصطناعي، إنه لا يزال مثل رضيع لم يتعلم المشيء ولا الحبو، مع ذلك فإنه يقوم بمهام نشعر فيها بأنه يرافق حياتنا منذ عشر سنين. ففي فترة وجيزة للغاية، حقق الذكاء الاصطناعي قفزة لم تسبقه إليها تقنية أخرى.
منذ أن يستفيق الإنسان في الصباح إلى أن يغفو في الليل، لا بد أن يستخدم الذكاء الاصطناعي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، إننا نعيش في قبضة عالم جديد، من غير أن ننتبه إليه كما يجدر. من هنا يتراءى: كيف ستصير حياة الإنسان بعد عشر سنوات من الآن؟ لا بد أن كل واحد تخامر باله فكرة، وكل شخص من حقه أن يتخيل المستقبل. لكن قبل الخوض في هذا السؤال، يجدر بنا أن نتوقف عند سؤال آخر: هل يعقل أن الذكاء الاصطناعي (على غرار شات جي. بي. تي وجيميني وغيرها) يتيح الخدمة بالمجان؟ ماذا تكسب الشركات من وراء هذه المجانية؟ يتداول خبراء الاقتصاد جملة مفادها: «إذا لم تدفع ثمن السلعة، فأنت السلعة في حد ذاتها». وذلك ما يحصل في الوقت الراهن. فكل يوم يجري استخدام الذكاء الاصطناعي من طرف ملايين البشر، وبمختلف اللغات، يُزودنه ببيانات ومعلومات، في نظام لا يزال قيد التطوير، بالتالي يصير المستخدمون هم أنفسهم السلعة، وهم الذين يطورون خدماته، كي تتحول إلى خدمة مدفوعة الثمن في مستقبل قريب. مع أن نسخا مطورة من منصات الذكاء الاصطناعي قد دخلت بالفعل حيز الدفع، وكذلك الخدمات الموجهة إلى الشركات لا الأفراد.
إن احتياجات شركات الذكاء الاصطناعي من الطاقة، كل عام، يساوي ما يقارب 2% من الاحتياج العام للكوكب، إنها تصرف مبالغ باهظة، من أجل خدمة ترجو أن تعود عليها بالعائدات في المستقبل، لا في اللحظة الراهنة. يدركون أن الذكاء الاصطناعي قد تغلغل في حياة الناس، وليس بوسعهم التخلي عنه، سوف يدمنون عليه ويضطرون إلى الدفع نظير فضائله في خفض ساعات العمل، وفي توفير حلول للمسائل العملية الأكثر تعقيدا، ومن جانبه فإن المستخدم، الذي يستفيد من مجانية العملية، يغفل عن حقيقة مفادها أنه بصدد تطوير عقل اصطناعي سوف يتحكم في حياته في السنين المقبلة.
نهاية الجماعة وتطور الفردانية
بالعودة إلى سؤال مستقبل الذكاء الاصطناعي، ومدى تشابكه مع الحياة اليومية للناس، لا بد أن الإجابات سوف تتعدد ومن شأنها أن تتضارب في ما بينها كذلك، لكن النقطة الأهم التي من المحتمل أن نتفق عليها هي، أن الذكاء الاصطناعي سوف يزيد الإنسان عزلة، يطور فردانيته، ويفتت ما تبقى من فكرة الجماعة أو ترابط الناس في ما بينهم. لأننا نسير في منحى تصاعدي يجعل الإنسان يتكل على نفسه، وعلى هذه البرامج، بحيث يصير الإنسان لصيقا بها، غير قادر على التحرر منها، بل إنها تزيد من خموله وتقلل نشاطه الذهني. تسير الأمور إلى نشأة ما يمكن أن نطلق عليه «البيوت الذكية»، وهي عبارة جذابة في ظاهرها، لكنها تخفي حقيقة مفزعة، عندما يقوم الذكاء الاصطناعي مقام الإنسان في البيت، هو من يحدد حرارة المكان، كما يساعد في الطبخ أو القيام بالأشغال المنزلية الأخرى. بالتالي يجد الإنسان نفسه مستغنيا عن حاجته إلى الآخرين، وغالبية المهام التي كانت تتطلب جهدا جماعيا، يجري اختصارها في جهد فردي. كما بوسعه أن يوفر للفرد خدمة طبية، من شأنها أن تقلل من زيارة طبيب، ومن الجلوس في قاعة انتظار، بما يلغي التحادث مع أشخاص لا نعرفهم أو نسعى إلى التعرف إليهم. سوف يخفف الذكاء الاصطناعي من الحاجة إلى خدمات البنوك في مقراتهم، كما قد قلل من الحاجة في الذهاب إلى إدارات تعودنا عليها في ما مضى. وبما أن الذكاء الاصطناعي دخل عالم الموسيقى، فسوف يطور أداءه في العزف والتسجيل، ونصل مرحلة لا نفرق فيها بين مقطوعة أصلية وأخرى غير ذلك. والحال نفسه ينطبق على السينما. يصير الإنسان مكتفيا بنفسه وبالذكاء الاصطناعي جنبه، ينام ويصحو عليه. لكن هذا الارتباط به قد ينقلب إلى عكسه، فإزاء اجتياح الذكاء الاصطناعي لحياة الإنسان، وأمام شلال الصور والفيديوهات التي تهطل كل يوم، إلى درجة لا نفرق فيها بين مادة أصلية وعكس ذلك، يشعر الإنسان بأنه فقد هامشا من حريته ومن حياته الحميمة، وبعدما صار مطلبه استخدام الذكاء الاصطناعي، سوف يأتي يوم يدفع فيه مقابل مشاهدة مادة أصلية، أي مادة لم تتدخل فيها الآلة ولا برامج مبتكرة. سوف يحدث ما يشبه عودة إلى الأصول، لأن هجمة الذكاء الاصطناعي قد تتحول إلى نفور منه.
كاتب جزائري
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :