يمثّل آفي شلايم (1945) صوتاً يهودياً عربياً نادراً في تفكيك الصهيونية من داخلها. من بغداد إلى أكسفورد، أعاد قراءة تاريخ «إسرائيل» كحركة استعمارية. وفي كتابه الجديد «الإبادة الجماعية في غزة» التي انتقل أخيراً إلى لغة الضاد عن منشورات «تكوين»، يذهب أبعد من النقد الأكاديمي نحو مواجهة أخلاقية مباشرة مع حربٍ ممتدّة على أرض فلسطين
إلى جانب إيلان بابِيه وبِني موريس وغيرهما من «المؤرخين الجدد»، يواصل المؤرخ اليهودي آفي شلايم، وهو في عقده الثامن، رحلته النقدية العميقة في تفكيك تاريخ الصهيونية ومحاربة الأيديولوجيا والأسطورة في سردية نشأة كيان إسرائيل.
يُعدّ شلايم أحد أبرز خبراء الصراع العربي ــ الإسرائيلي، وأستاذاً فخرياً في العلاقات الدولية في جامعة أوكسفورد. وُلد في بغداد عام 1945، أي قبل النكبة بثلاثة أعوام، لعائلة يهودية عراقية ميسورة. بعد عامين فقط، وجد نفسه مع أسرته مواطناً في كيان حديث النشوء، لكن كمواطن من «الدرجة الثانية»، نتيجة النظرة الاستعلائية التي واجه بها اليهود الأوروبيون ما سمي بـ«اليهود الشرقيين» أو «اليهود العرب»، بوصفهم أدنى اجتماعياً وثقافياً. يختصر شلايم هذه التجربة بعبارته الشهيرة: «غادرنا العراق يهوداً، لكننا وصلنا إلى إسرائيل كعراقيين».
يتحدث شلايم عن تقبله المبكر، ومن دون مقاومة، للإحساس بالدونية داخل «المجتمع» الإسرائيلي، قائلاً: «كنا عراقيين ندين باليهودية، وبالتالي كنا أقلية، مثل اليزيديين والكاثوليك الكلدان والآشوريين والأرمن والشركس والتركمان وغيرهم من الأقليات العراقية». هذا الوعي الهش بالهوية رافقه منذ طفولته، وأسّس لشعور مبكر بالاغتراب داخل الدولة التي قدمت له بوصفها «الوطن النهائي».
عندما غادرت عائلة شلايم بغداد عام 1950، كان عدد اليهود في العراق يقارب 135 ألفاً. وبحلول عام 2009، لم يتبقَّ منهم سوى تسعة أشخاص فقط. في المقابل، يعيش اليوم أكثر من 200 ألف إسرائيلي من أصول عراقية داخل كيان الاحتلال، ما يجعل العراق أول بلد غير أوروبي رفد إسرائيل بالبشر لتأسيس كيانها.
يستعيد شلايم تاريخ عائلته بوصفها جزءاً من الطبقة الوسطى العليا في بغداد، حيث كان والده تاجراً على صلة بعدد من الوزراء العراقيين. لكن أحداث «الفرهود» عام 1941، وما تبعها من تفجيرات استهدفت الجالية اليهودية في مطلع الخمسينيات، شكّلت نقطة التحوّل الحاسمة. عندها قرر والده التخلي عن هويته العراقية والهجرة، مع نحو 110 آلاف يهودي، إلى كيان الاحتلال.
رغم انتقاداته الحادة اليوم، كان شلايم في طفولته ومراهقته من أشد المتحمسين لإسرائيل. يقول: «في المدرسة تعلمت الرواية الصهيونية كما هي، من دون أي تساؤل. كنت وطنياً إسرائيلياً، واثقاً بعدالة طريقنا.

رأينا في إسرائيل دولةً صغيرة محبةً للسلام، محاطةً بعرب يكرهونها ويريدون قذفنا في البحر». غير أنّ علاقته بأصوله العربية كانت مثقلة بالتوتر. يستعيد شلايم الصعوبة التي واجهها في التواصل مع والده الخمسيني الذي لم يتقن العبرية، ما اضطره إلى التحدث بالعربية داخل المنزل. كان ذلك مصدر ضيق شديد له، إذ كانت العربية تذكّره بأصوله «غير المرغوبة» في «المجتمع» الإسرائيلي.
يقول في مذكراته «العوالم الثلاثة: مذكّرات يهودي عربي»: «ظل هذا الصمت يكتنف علاقتي بأبي حتى مماته». لم تكن العربية في الكيان العبري لغة «العدو» فقط، بل لغة قبيحة وبدائية في المخيال العام، وهو ما عمّق القطيعة بين شلايم وذاته الأولى.
بسبب فشله الدراسي في «إسرائيل»، أرسلت عائلة شلايم ابنها لإكمال تعليمه في بريطانيا. هناك، واجه تحدياً جديداً: منفى آخر وهوية معلّقة. منذ عام 1966، استقر في إنكلترا، حيث تزوّج من غوين دانيال، المعالجة النفسية وحفيدة لويد جورج، رئيس وزراء بريطانيا في زمن وعد بلفور.
أسهمت سنوات دراسته في إنكلترا، عشية حرب حزيران (يونيو) 1967، في زعزعة قناعاته البسيطة، وفتحت أمامه أفقاً نقدياً أوسع لفهم القومية والصراع العربي ــ الإسرائيلي.
يصف «الصحوة» من «الحلم الصهيوني» بأنها مسار طويل وبطيء، لا لحظة مفاجئة.
بعد 1967، تحوّلت إسرائيل في نظره من «جيش دفاع» إلى قوة استعمارية تقمع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
ومع الوقت، بات يرى أنّ إسرائيل نشأت أساساً كحركة استيطانية استعمارية، وأن عامَي 1948 و1967 لم يكونا سوى محطات في مشروع سيطرة ممنهجة على فلسطين، انتهى إلى نظام فصل عنصري جعل الفلسطينيين ضحاياه الدائمين.
المنعطف الحاسم في مسار شلايم الفكري جاء عبر الأرشيف. يقول: «الأرشيف غيّر رؤيتي بالكامل». عام 1982، عاد إلى «إسرائيل» لإجراء دراسة عن أثر «الجيش» في السياسة الخارجية، وأمضى عاماً كاملاً يطالع وثائق الدولة. هناك، خاض ما يصفه بـ«عملية راديكالية داخلية» نقلته من صهيوني وطني إلى ناقد جذري لإسرائيل واحتلالها.
من هذه التجربة، ولد ما عُرف لاحقاً بـ«المؤرخين الجدد». مصطلح صاغه بني موريس لوصف مجموعة من الباحثين الذين أعادوا، منذ ثمانينيات القرن الماضي، قراءة تاريخ الصهيونية وإقامة إسرائيل بعيداً من الأسطورة والتلقين الأيديولوجي، مستفيدين من فتح الأرشيفات الرسمية. ضمت هذه المجموعة شلايم، وموريس، وإيلان بابيه، وتوم سيغف، وغيرهم، وأثارت نقاشات حادة داخل الأكاديمية والإعلام.
شغل شلايم مناصب أكاديمية بارزة في جامعة أوكسفورد، وانتُخب زميلاً في الأكاديمية البريطانية عام 2006. ونشر عدداً من الكتب المرجعية، أبرزها «الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي»، و«أسد الأردن: حياة الملك حسين في الحرب والسلام». وفي عام 2023، صدرت مذكراته «العوالم الثلاثة: مذكرات يهودي عربي»، تلاها كتابه الأخير «الإبادة الجماعية في غزة: حرب إسرائيل الممتدة على فلسطين».
منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، لم يتوان شلايم عن الظهور الإعلامي والبحثي دفاعاً عن الفلسطينيين. يقول في مقابلة مع صحيفة «هآرتس»: «منذ اندلاع الحرب، تحولت إلى شخصية معروفة، وهي تجربة جديدة تماماً بالنسبة إليّ». ويضيف أنّ شباباً عرباً ومسلمين باتوا يشكرونه لأنه «يتحدث باسمهم ويعيد إليهم بعض الثقة المفقودة باليهود».
ويرى شلايم أنّ إسرائيل نجحت في تنفير حتى مؤيديها، وهي المسؤولة عن الانهيار الدراماتيكي في سمعتها العالمية. وبينما لا تزال وسائل الإعلام الغربية التقليدية تميل لمصلحتها، فإنّ الأجيال الشابة باتت تستقي معلوماتها من منصات بديلة، وهو ما يفسّر اتساع دائرة الدعم لمواقفه.
في خلاصة موقفه، يعترف شلايم بأنه يحمل «ذنباً مزدوجاً»: ذنب بريطاني إزاء الدور التاريخي لوعد بلفور في تمهيد الطريق للنكبة، وذنب إسرائيلي إزاء الاحتلال المستمر منذ عام 1967 وحرمان الفلسطينيين حقوقَهم الأساسية. ورغم تفكيره سابقاً في التخلي عن جنسيته الإسرائيلية، حال تحذير رسمي دون ذلك، ليظلّ دخوله إلى الكيان بجوازه الإسرائيلي، وإلى العالم بجوازه البريطاني، في مفارقة تختصر التناقض الأخلاقي والسياسي الذي يطارده.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :