لا يعد الطعام في مدينة مثل بيروت اللبنانية مجرد ذائقة أو تقليد مطبخي، بل هو ممارسة حضرية كثيفة الدلالات، تتقاطع فيها تحولات المدينة العمرانية، وأنماط الاستهلاك، وخطابات الحداثة، واللغة اليومية. فمن خلال المطاعم، ومحلات المأكل الجاهز، والإعلانات، وأسماء الأكلات، يمكن قراءة تاريخ اجتماعي موازٍ لتاريخ السياسة والمؤسسات؛ تاريخ يُكتب من أسفل، من الشارع، ومن المائدة،
ولذلك سنحاول من خلال كتاب الألسني اللبناني نادر سراج «نكهة بيروت ـ مواد وسرديات» مقاربة الطعام بوصفه مدخلا لفهم بيروت الحديثة، ولاسيما في النصف الأول من القرن العشرين، حين بدأت المدينة تتشكّل بوصفها فضاء مدينيا مفتوحا، تتجاور فيه المحليّة مع المتوسطية، والتقليد مع مظاهر التحديث المقبلة من أوروبا، وعلى رأسها فرنسا.

عرفت بيروت، منذ أواخر العهد العثماني، ولاحقا في زمن الانتداب الفرنسي، انتقالا تدريجيا للطعام من الفضاء المنزلي المغلق إلى الفضاء العام المفتوح. فالمائدة لم تعد شأنا عائليا صرفا، بل خرجت إلى الشارع، إلى المقهى، والمطعم، ومحلات المأكل الجاهز. هذا الانتقال ارتبط بتحولات اقتصادية وعمرانية جعلت من بيروت مدينة خدمات، ومركزا تجاريا وسياحيا، ونقطة جذب لفئات اجتماعية متعددة. أصبح الأكل خارج البيت ممارسة يومية أو شبه يومية، خصوصا في وسط المدينة. هناك، تشكّل ما يمكن تسميته الفضاء الحضري للطعام في بيروت، وهو عبارة عن شبكة كثيفة من المطاعم والمقاهي، ومحلات الحلويات والأفران، التي لم تكن مجرد أماكن لإشباع الجوع، بل فضاءات اجتماعية تُدار فيها العلاقات، وتُختبر فيها أنماط جديدة من السلوك، ويُستعرض عبرها معنى التمدن.
تميّزت مطاعم بيروت بتنوّع لافت، يعكس موقع المدينة بوصفها ملتقى ثقافيا وتجاريا. ففي القوائم، جاورت أطباق المطبخ المحلي التقليدي، كالحمص بالطحينة، والمتبل، والفول، والفلافل، والكبة النيّة والمقلية، واليبرق، والمحاشي، أطباقا أخرى أكثر ارتباطا بالمخيال المديني الصاعد، مثل شرائح اللحم المشوية، والدجاج المحمّر، والسمك المقلي والمشوي، ولاسيما في مطاعم الشاطئ.
كما انتشرت محلات المرطبات والحلويات التي تقدّم البوظة العربية بنكهات الحليب، والفستق، والليمون، والفريز، إلى جانب الكنافة، والمعمول، وأصناف الحلوى المتأثرة بالمطبخ الشامي والتركي. ولن يكون هذا التنوع مجرد انعكاس لتعدد الأذواق، بل جزءا من صورة بيروت بوصفها مدينة منفتحة، قادرة على الجمع بين ما هو محلي وما هو وافد. وإذا دققنا في المشهد الغذائي البيروتي أكثر، بدا واضحا أن المطاعم لم تكن متساوية الموقع أو الوظيفة. فقد ظهر تدرّج مديني واضح: مطاعم وسط المدينة، وشارع المعرض، حملت طابعا استعراضيا، موجها إلى موظفين، وتجار، وزوار، وسياح، بينما حافظت مطاعم الأحياء الطرفية على طابع أقرب إلى الإشباع اليومي. في الأولى، تُقدَّم الكبة النيّة مصقولة السطح، والحمص مزينا بزيت الزيتون وحبات الحمص، والسندويش ملفوفا بورق نظيف يحمل اسم المحل. وفي الثانية، تُقدَّم الفلافل ساخنة مباشرة من الزيت، بلا تزيين ولا خطاب.
هذا التفاوت لا يعكس اختلاف الذائقة فقط، بل اختلاف الوظيفة الاجتماعية للطعام: بين طعام يُؤكل بوصفه تجربة حضرية، وطعام يُؤكل بوصفه ضرورة يومية.
تتجسد هذه التحولات بوضوح في شوارع بعينها، مثل شارع المعرض وشارع ويغان في وسط بيروت. ففي هذه الشوارع، لم تكن المحلات مجرد وحدات اقتصادية، بل عناصر في مشهد حضري متكامل. الواجهات الزجاجية، اللافتات، الإعلانات، وأسماء المحلات المكتوبة بخط واضح، أحيانا بالعربية وأحيانا مرفقة بكلمات فرنسية، كلها شاركت في إعادة تشكيل علاقة المارّ بالمدينة.
أما الروائح المنبعثة من المحلات، رائحة الفلافل المقلية، أو اللحم المشوي، أو السكر المحروق في محلات الحلوى، فكانت عنصر جذب لا يقل أهمية عن اللافتة نفسها. الشارع هنا امتداد للمطبخ، والجسد يُستدرج بالحواس قبل أن يقرر الدخول.
فاكهاني إخوان: السندويش وحداثة بيروت

من بين هذه المحلات، تبرز محلات فاكهاني إخوان، القائمة في أول شارع المعرض. لم تكن شهرتها في السبعينيات نابعة من الطعام وحده، بل من الخطاب الذي أحاط به. فقد تباهى أصحابها بأنهم روّاد بيع «سندويشات على الكهربا» في بيروت، أي سندويشات مُعدّة بواسطة سخّانات كهربائية. هذه العبارة، في بساطتها الظاهرية، تكثّف تحوّلا عميقا. فالكهرباء هنا ليست مجرد وسيلة طهو، بل علامة حداثة، ورمز للنظافة، والسرعة، والانضباط. كما نرى أن الإعلان لا يخاطب الذائقة فقط، بل المخيال: مخيال الزبون الذي يريد أن يكون جزءا من العصر، وأن يستهلك طعاما مختلفا عن طعام التنور والنار التقليدية. السخّانة الكهربائية، الموضوعة في واجهة المحل، أو في مكان ظاهر، تحوّل فعل إعداد الطعام إلى عرض علني. الزبون يرى السندويش وهو يُحضّر، يسمع صوت الآلة، ويشاهد التحوّل من مادة خام إلى وجبة جاهزة. هذه الشفافية جزء من خطاب الثقة والحداثة، حيث لم يعد الطبخ فعلا مخفيا في الخلف، بل ممارسة مرئية، محسوبة، ومنضبطة.
وفي السياق نفسه، برز محل «مرطبات وحلويات رمضان» في شارع ويغان، الذي تفاخر في إعلان منشور بنظافة صالونه المزود بالمراوح الكهربائية، وببيع «البوظة المشكلة من حليب، ليمون، فستق وفريز، وغيرها من الفواكه على الكهرباء». هنا أيضا، تتحول الكهرباء إلى ضمانة صحية، وإلى دليل على الانتماء إلى زمن جديد، يَعِد بالانتعاش والتحكم بدرجات الحرارة في مدينة تعرف الحر والرطوبة.
يتوقف المؤلف في رحلة الطعام البيروتية، عند إعلانات المطاعم، بوصفها وثائق حضرية، تكشف عن تحولات الذائقة، وعن القيم التي يُراد ترسيخها. فعبارات مثل «على الكهربا»، و»نظافة الصالون»، و»مراوح كهربائية»، ليست تفاصيل عرضية، بل مفردات في خطاب حداثي كامل، يعيد تعريف العلاقة بين الطعام والتقنية.
أخذ الزبائن، والقراء، علما بأن الأحوال تبدّلت. فالسخّانات والمراوح وآلات تحضير البوظة، لم تعد تعمل يدويا كما في السابق، بل بالطاقة الكهربائية، تحفظ الطعام ساخنا أو باردا، وتواكب إيقاع المدينة المتسارع. هنا، يدخل الطعام زمن السرعة، ويغادر زمن الانتظار. ولا يمكن فصل الطعام في بيروت عن السياق الفرنسي. ففرنسا، عبر الانتداب، لم تمثل حضورا سياسيا فحسب، بل مرجعية ثقافية وتنظيمية. انعكس ذلك في تصور المطعم بوصفه فضاء منظما، له قواعد في الجلوس، والخدمة، وترتيب الوجبات. كما انعكس في اللغة: أسماء أطباق، مصطلحات خدمة، قوائم مكتوبة جزئيا أو كليا بالفرنسية. امتزج هذا النموذج الفرنسي بالتقاليد المحلية، فنتج شكل بيروتي خاص، عبارة عن مطاعم تقدّم الحمص والفلافل والكبة، لكن في صالات مضاءة، وبطاولات مرتبة، وبقوائم تحاكي النموذج الأوروبي. حتى فكرة الجلوس الفردي في مطعم، أو تناول الطعام خارج الجماعة العائلية، حملت أثر هذا المخيال الأوروبي الحديث.
انعكست هذه التحولات على لغة الطعام نفسها، فاللغة المتداولة في الإعلانات، والقوائم، والحديث اليومي عن الأكل، صارت لغة هجينة، تجمع بين العربية الدارجة، والفصحى الميسّرة، ومفردات فرنسية ومعولمة. هذه اللغة ليست محايدة؛ إنها تحمل في بنيتها آثار التحولات الاجتماعية، وتكشف عن طبيعة بيروت التعددية.
الفلافل: مخيال الفقراء
وسط هذا المشهد الحداثي، تحتفظ الفلافل بمكانة خاصة. فهي طعام الشارع بامتياز، الرخيص، المشبع، المتاح للجميع. لكنها في الوقت نفسه تحمل حمولة رمزية وبلاغية كثيفة، تجلّت في الاستعارة الشامية الشهيرة: الفلافل دواليب الجنة»، هذه العبارة ليست نكتة عابرة، بل صورة مركبة. فهي تشبّه أقراص الفلافل بالدواليب، استنادا إلى الفراغ الدائري في وسط القرص، لكنها تتجاوز الشكل إلى المعنى. فالفلافل، لشدة لذتها وبساطتها، تُرفع إلى مقام نعيم الجنة في مخيال فقراء المدينة. هنا، يُعاد تخيل الجنة بوصفها مكانا تعثر فيه على فلافل ساخنة، وبهذه الصورة، يجمع الخيال الشعبي بين اليومي والمقدس، بين الفقر والمتعة، ويحوّل الطعام إلى وسيلة تعويض رمزي عن الحرمان.
وتتسع البلاغة حول الفلافل في التداول اليومي: فهي بتشبّع، ولقمة مباركة. وكل هذه التعابير تكشف علاقة خاصة بين المدينة وطعامها الأرخص، وتحوّل الفلافل إلى لغة مشتركة، يتقاطع عندها الجميع، وتقاوم التفريق الطبقي الحاد في الفضاء الغذائي.
من خلال «محلات فاكهاني إخوان» و»مرطبات شارع ويغان»، والإعلانات عن «السندويش على الكهربا» والفلافل التي تتحول إلى استعارة عن الجنة، تتكشف بيروت بوصفها مدينة تُنتج حداثتها في التفاصيل الصغيرة. فالمطعم ليس مكانا ثانويا، بل مسرح اجتماعي، والإعلان ليس زينة لغوية، بل خطاب. والطبق ليس مجرد طعام، بل حامل ذاكرة.
محمد تركي الربيعو .. كاتب سوري
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :