بهذه الكلمات الموجعة يصف الخبير الاقتصادي الدكتور بلال علامة الواقع اللبناني وواقع الذهب وإمكانية الاستفادة منه، ويقول في ردّ على سؤال لموقعنا LebEconomy “لماذا لم يستفد لبنان من احتياطي الذهب طوال سنوات الأزمة؟ الجواب بسيط ومخيف في آن، لأنّ الذهب لا يُسرق بهدوء. فمنذ اندلاع الانهيار كان الذهب حاضرًا في كلّ خطاب غاضب، وغائبًا عن كلّ قرار، ويُستحضَر كفزّاعة ويُدفَن كحقيقة”.
ويتابع: قيل لنا إنّ القانون يمنع المسّ به، وكأنّ القانون في لبنان كائنٌ مقدّس لا يُخرق، في بلدٍ خُرقت فيه الدساتير وسُحقت فيه القوانين، وتحوّل فيه الاستثناء إلى قاعدة. نعم، هناك قانون يحمي الذهب، لكن هذا القانون لم يكن يومًا العائق الحقيقي، بل العائق كان أنّ أيّ اقتراب من الذهب كان سيُجبر السلطة على الإجابة عن سؤال لا تريد سماعه: أين ذهبت الأموال الأخرى؟
ووفقًا لعلامة، الذهب هو المرآة الأخيرة؛ كلّ من يقف أمامه يرى صورته الحقيقية: نظامٌ استنزف الدولة حتى العظم، ولم يترك لها سوى هذا المعدن الأصفر كشاهدٍ أخير على الجريمة.
ويرى علامة أنّه لو استُخدم الذهب في ذروة الأزمة لكان استُخدم كما استُخدم كلّ شيء في لبنان: بلا خطّة، بلا محاسبة، بلا أفق. وكان سيُباع ليشتري وقتًا سياسيًا رخيصًا، أو ليُغطّي فجوةً صنعتها المصارف وتحالف المال والسلطة، أو ليُسكِت شارعًا غاضبًا لأشهرٍ إضافية، وكان سيُحرَق دون أن يُستثمَر.
“ولهذا لم يلمسوه.”
وعلى حدّ تعبير علامة، الذهب ليس سيولة، وليس دعمًا، وليس مسكّنًا، بل هو آخر تعبيرٍ ماديّ عن سيادةٍ مالية لم تُرهَن بعد. وحين تفقد الدول ذهبها قبل أن تستعيد دولتها، فهي لا تُنقذ نفسها بل تُوقّع شهادة الإفلاس النهائي.
متخوّفًا، يشير إلى أنّ الخطورة لا تكمن فقط في بيعه، بل أيضًا في تحويله إلى «تابو» أبدي، فالدولة التي لا تفكّر بكيفية استخدام أصولها ضمن مشروع إنقاذٍ حقيقي هي دولة معلّقة بين الخوف والعجز.
ويؤكّد علامة أنّ الاستفادة من الذهب لا تكون قبل الإصلاح بل بعده، ولا تكون لسدّ العجز بل لبناء الثقة، ولا تكون بقرار حكومةٍ مأزومة وسلطةٍ فاسدة، بل بقانونٍ سيادي واضح، برقابةٍ صارمة، وبربط مصير الذهب بمصير دولة تُعاد صياغتها من جديد.
أمّا استخدامه اليوم، في ظلّ الإفلات من المحاسبة وانهيار القضاء وتواطؤ السياسة، فيرى علامة أنّه ليس قرارًا اقتصاديًا بل سطوًا موصوفًا على المستقبل، لافتًا إلى أنّ ذهب لبنان لم يُستعمل لأنّهم لم يجرؤوا، ولم يجرؤوا لأنّهم يعرفون أنّ لمس الذهب يعني الاعتراف بأنّ كلّ ما عداه قد نُهِب.
“وحتى ذلك الحين سيبقى الذهب حيث هو:
لا ككنزٍ بل كإتهامٍ صامتٍ معلّقٍ فوق رؤوس من دمّروا الدولة… وينتظر”.