بقلم: وسام الأسعد.
تمثل فضائح جيفري إبستين اليهو/دي التلمو/دي المرتبط بالمو/ساد واحدة من أكثر الصور فظاعة لانحراف الإنسان حين ينفصل عن الضمير، وتتكشف فيها شبكة من الاستغلال الجنسي، والسلطة، والمال، والتواطؤ الدولي. هذه الوقائع لا تعد مجرد جرائم فردية، بل مرآة لواقع أخلاقي مريض، حيث تتحول القوة إلى أداة قهر، والإنسان إلى سلعة، والبراءة إلى ضحية صامتة. وفي هذا السياق القاتم، يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن التوفيق بين هذا الانحدار الأخلاقي وتعاليم المسيح التي جاءت أصلاً لخلاص الإنسان ورفع شأنه.
جاء المسيح، بحسب الإيمان المسيحي، ليعيد للإنسان صورته الأصلية بوصفه كائناً مكرّماً، حراً، ومسؤولاً. كانت رسالته قائمة على المحبة، والرحمة، والحق، والدفاع عن الضعفاء والمهمشين. قال: "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم"، في تأكيد واضح على قدسية الطفولة وحرمتها. بينما تكشف فضائح إبستين عن نقيضٍ كامل لهذا المبدأ، حيث تُنتهك الطفولة باسم اللذة والسلطة، ويسحق الضعفاء في صفقات الظلام.
إن تعاليم المسيح لا تقوم فقط على الوعظ الأخلاقي، بل على انقلاب جذري في منظومة القيم: "من أراد أن يكون فيكم عظيماً فليكن لكم خادماً". أما عالم إبستين ومن دار في فلكه، فيُمثل نموذجاً معاكساً، حيث تستخدم الثروة والنفوذ لشراء الصمت، وإفلات الجناة من المحاسبة، وتكريس ثقافة الإفلات من العقاب. هنا يظهر الصدام الحاد بين منطق الملكوت ومنطق العالم.
فلذلك مجيء المسيح كان أكبر ضربة تلقاها المشروع التلمودي اليهودي، الذي جوهره هو استعباد أو قتل كل ما هو غير يهودي. لقد أوقف المسيح بثورته عملية إبادة شعوب بأكملها. والفضائح المعاصرة، كقضية إبستين التلمو/دي، تكشف أن البشرية لا تزال تختار أو تُدفَع إلى السير في دهاليز مظلمة، حيث يغتال الضمير الجماعي، وتستبدل القيم الروحية بالمصالح المادية.
من هنا ينبع الإحساس بأن هذه الفضائح تلغي أو تفرغ رسالة الخلاص من مفاعيلها العملية، لا لأن الرسالة فشلت، بل لأن الإنسان يرفض الإصغاء إليها.
ومع ذلك، فإن المقارنة العميقة تُظهر أن وجود هذا الشر الفاضح لا يُناقض رسالة المسيح بقدر ما يؤكّد ضرورتها. فالظلمة لا تبطل النور، بل تكشف الحاجة إليه. إن فضائح إبستين تظهر إلى أي مدى يمكن أن ينحدر الإنسان حين ينفصل عن القيم التي نادى بها المسيح: المحبة غير المشروطة، قدسية الجسد، وإحترام الآخر بوصفه غاية لا وسيلة.
في المحصلة، ليست المشكلة في تعاليم المسيح أو في هدف مجيئه، بل في الفجوة الهائلة بين الإيمان المعلَن والممارسة الواقعية. تعيش البشرية اليوم صراعاً حاداً بين نور الرسالة وظلمات الأفعال التلمو/دية، بين ما ينبغي أن تكون عليه وما آلت إليه. وتبقى دعوة المسيح، وسط هذا الخراب الأخلاقي، صرخة مستمرة لإيقاظ الضمير الإنساني، وتذكيراً بأن الخلاص ليس حدثاً تاريخياً فحسب، بل مسؤولية متجددة في كل عصر.
4 شباط 2026.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :