حين يصبح الفرح فعلاً مقاوماً ويصير التراب شاهداً!

حين يصبح الفرح فعلاً مقاوماً ويصير التراب شاهداً!

 

Telegram

في غزة، يأتي الفرح خجولاً، متردداً، كمن يخطو فوق ذاكرة حادّة الحواف، فوق زجاجٍ مكسور وندوب لم تجف. يأتي حين تتعب الحياة من موتها، فتقرر أن تترك شقاً صغيراً للضوء كي يمر.

كانت ترتدي الأبيض، لا لأنه لون الطمأنينة، كما في الحكايات، ولا لأنه تقليد يجمّل الصور، وإنما لأنه آخر ما تبقّى لها من مساحة تقول فيها: أنا هنا.

الأبيض في غزة شهادة حضور في مكان يتقن محو الأسماء. فستانها الطويل يجر خلفه ذيلاً من دانتيل، كأنه موجة صغيرة تحاول أن تتذكر البحر، فيما البحر بعيد، أو محاصر، أو واقف عند حد لا يسمح للحلم أن يمر.

مشت بثوبها الأبيض وسط الركام، على يمينها بيت كان ينبض يوماً بضحكات أطفال. على يسارها شرفة كانت تعلّق عليها أم غسيلها، وتعد قهوتها، وتراقب الشارع كي تطمئن أن أبناءها عادوا. الآن الشرفة بلا وجه، والبيت بلا سقف، والضحكة بلا صوت.

كانت في فستان زفافها خرائط كثيرة. رأيت فيه أمهات وضعن قطعاً من الخبز في جيوب أطفالهن، ثم عادوا بلا جيوب، ولا خبز، ولا أطفال. رأيت فيه أرواحاً تعبت من انتظار نهاية لا تأتي، فقررت أن تصنع بداية صغيرة، ولو فوق حطام كل شيء.

الركام في غزة ليس حجارة فقط، هو أرشيف. أرشيف للأبواب التي لم تغلق، للنوافذ التي انتظرت، للأحلام التي تأخرت. كل حجر يعرف قصة. كل قطعة إسمنت تحمل طبعة يد كانت تضع زهر الريحان على النافذة.

كم نحن كلنا، خارج هذا المشهد، نحب أن نضع الفرح في إطار نظيف. قاعة مضاءة، شموع، طاولة حلوى، أغنية أول رقصة. هناك، الفرح يخرج من المستلزمات. في غزة، الفرح يخرج من النقص. من عتمة تجبرك أن تصير نجمة لنفسك، من قلة تعلّمك أن تحب الحياة من دون شروط.

الفتاة لم تكن تمشي وحدها. خلفها، كانت تمشي المدينة. كانت تمشي معها أسماء كثيرة. هؤلاء الذين رحلوا من غير وداع، الذين ما زالوا تحت الردم، الذين ينتظرون خبراً، الذين ينامون على فكرة العودة إلى بيت لم يعد بيتاً. كانت تمشي معها ذاكرة المكان كله، ومعها ذلك السؤال الذي يصعب أن نطرحه بصوت عال: كيف يمكن لثوب عرس أن يلامس هذا الركام دون أن يتمزّق؟

ومع ذلك، لم يتمزّق الثوب. هذا هو الجزء الذي يوجعني. هناك شيء في البشر أمتن من القماش المتين. هناك شيء في الروح لا يتفتت، حتى لو تفتت كل شيء حوله. ربما لهذا السبب نرتبك أمام هذا المشهد، لأنه يضعنا وجهاً لوجه أمام معنى لم نربَّ عليه. نحن نتعلم أن الفرح نتيجة، وأن السلام مكافأة، وأن الحياة تعاش حين تكون الظروف مناسبة. غزة تقول شيئاً آخر. الحياة تعاش كي تصبح الظروف ممكنة.

أحياناً أفكر أن العالم يحب غزة حين تكون صورة واحدة. صورة طفل يبكي، أم تصرخ، دخان كثيف. العالم يحفظ هذه الصورة لأنه يعرف كيف يتعاطف معها من بعيد. أما صورة العروس على الركام، فهي تربك العالم لأنها لا تمنحه راحة البكاء فقط، تمنحه مسؤولية السؤال: ماذا فعلنا كي يصل الفرح إلى هذا الحد من الشقاء؟ وكيف يمكن للعدالة أن تتأخر إلى درجة أن يصبح العرس معركة وجود؟

تقدمت العروس خطوة أخرى. كانت الأرض غير مستوية، ومع ذلك لم تسقط. شعرت أن هذه الخطوة لا تخصها وحدها. تخص كل من فقد شيئاً ثم حاول أن يكمل. تخص كل قلب تعلم أن الحياة لا تعتذر، وأن الوجع لا يطلب إذناً قبل أن يدخل، ومع ذلك قرر أن يترك نافذة مفتوحة للهواء.

نحب الفرح… نعم. نحبه لأننا نتعب من الحزن، ولأننا نعرف أن الحزن وحده لا يبني بيتاً، ولا يعيد طفلاً، ولا يداوي أمّاً. نحبه لأن الفرح ليس ضداً للحقيقة، هو وجهها الآخر حين تصر الروح على أن تظل روحاً.

وفي غزة، حين تمر عروس بثوبها الأبيض بين الخرائب، لا نحتاج أن نسألها: لماذا؟

يكفي أن نفهم أنها تقول نيابة عن مدينة كاملة: أنا أعيش.

 

المنخل الأخير: طقس وداع في غزة

 

كان ينخل التراب كما لو أنه ينخل عمره. لا يبحث عن ذهب، ولا عن شيء يمكن بيعه أو ادخاره. كان يبحث عن عظمة. عن دليل صغير يقول له إن الذين أحبهم لم يتحولوا كلهم إلى غبار، وإن الذاكرة ما زالت قادرة على أن تمسك بشيء صلب، ولو كان بحجم السلام الأخير.

جلس على الأرض، حيث كانت بيته ذات يوم. لم يبق من الجدران سوى فكرة الجدار، ولا من السقف سوى سماء مفتوحة بلا رحمة. وضع المنخل أمامه، ومد يديه في التراب. لم تكن يداه ترتجفان. حين يبلغ الحزن هذا العمق، يتوقف الجسد عن الارتباك. يصبح الفعل ميكانيكياً، كأنه واجب أخير يؤديه الإنسان قبل أن يسمح له بالانهيار.

قالوا إن أكبر عظمة في جسد زوجته بالكاد ترى. قالوا إن الانفجار لا يترك فرصة للأجساد كي تحتفظ بملامحها. لم يكن يحتاج إلى هذه التفسيرات. هو يعرف جسدها جيداً. يعرف كيف كانت تمشي، كيف كانت تضع يدها على كتفه حين تتعب..

كان ينخل التراب، حجراً حجراً، كأن كل حبة تمر من بين أصابعه تحمل احتمالاً. احتمال أن تكون قطعة من فخذ طفل كان ينام على صدره. احتمال أن تكون كسراً من ضلع امرأة كانت تخبز له الخبز وتعد له القهوة. الاحتمال هنا أقسى من اليقين، لأن اليقين ينهي الانتظار، أما الاحتمال فيطيله حتى يصبح شكلاً آخر من التعذيب.

في غزة، الموت لا يأتي كاملاً. يأتي مجزأً، مبعثراً، بلا أسماء. لا يسلمك أحبتك دفعة واحدة، يوزعهم عليك في التراب، في الركام، في الهواء. يترك لك مهمة التجميع، كأنها امتحان أخير في الإنسانية: هل تستطيع أن تحب من دون جسد؟ هل تستطيع أن تحزن من دون قبر؟

المنخل يهتز، والحصى الكبير يسقط جانباً. يبقى الناعم. التراب الذي يشبه الدقيق. في هذا التراب تختبئ العظام. هكذا قالوا له. وهكذا صار التراب عدواً وصديقاً في آن، عدواً لأنه يخفي، وصديقاً لأنه يحفظ. التراب في غزة صار أرشيفاً. صار ذاكرة جماعية تحفظ ما عجز العالم عن حمايته.

لم يكن الرجل يبكي. الدموع تحتاج إلى مساحة، وهو محاصر من الداخل والخارج. محاصر بالصور، بالأصوات، بالأسماء التي ما زال يناديها في رأسه ثم يتذكر أنها لن تجيب. في مكان ما من قلبه، ما زال يعتقد أن هذا كله سوء فهم. أن زوجته ستخرج من خلف الركام، أن أحد أبنائه سيضحك، أن هذه ليست إلا بروفة سيئة لكابوس طويل.

لكن المنخل لا يكذب.

حين تتوقف يدك فجأة، حين تشعر بصلابة صغيرة لا تشبه الحجر، تعرف. لا تحتاج إلى فحص، ولا إلى مختبر. القلب يعرف قبل العين. يضع القطعة جانباً. لا يقبّلها. لا يصرخ. فقط يتركها هناك.

العالم يشاهد هذا المشهد على الشاشات. يضغط إعجاباً، يكتب تعليقاً، ينتقل إلى خبر آخر. العالم يرى رجلاً ينخل التراب، لكنه لا يرى نفسه في المنخل. لا يرى مسؤوليته. لا يرى كيف تحوّلت العدالة إلى فكرة مؤجلة، وكيف صار الأب وحده فريق إنقاذ، وطقس وداع، ومقبرة متنقلة.

الرجل يعرف أنه لن يجدهم كاملين. يعرف أن المنخل لن يعيد الزمن. لكنه يفعل ذلك، لأن التوقف يعني الاستسلام، ولأن الاستسلام خيانة كبرى للذين رحلوا.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram