رحيل الإعلامي والروائي القطري أحمد عبد الملك: مثقف شغلته قضايا الحرية والعدالة

رحيل الإعلامي والروائي القطري أحمد عبد الملك: مثقف شغلته قضايا الحرية والعدالة

 

Telegram

«أومن بأن الإنسان يولد حراً وله عقل يفكر، وعليه أن يختار أسلوب حياته وشريكه ومكان عيشه دون تدخل من أحد».

«وسائل الإعلام لا تحفل بالروائي، أو المثقف عموماً، فقط تحتفي بالمغني أو الراقصة». (أحمد عبد الملك)

 

أحمد عبد الملك (1 يناير/كانون الثاني 1951 ــ 19 يناير 2026) إعلامي وروائي قطري له تأثير واضح على المشهد الثقافي القطري والخليجي، لم يقتصر على الحرفة وحدها والتجربة العملية في الإذاعة والتلفزيون والصحافة، بل امتد الوعي إلى الدراسة الأكاديمية، والحصول على الدكتوراه، وأيضاً دون الاكتفاء بالتنظير البعيد عن الحياة ومشكلات المجتمع، فقد حاول الرجل الجمع بين الناصيتين، ونجح إلى حدٍ كبير. كذلك حاول نقل خبراته الحياتية من خلال العمل الروائي، فأصدر عدة روايات تناولت العديد من القضايا الاجتماعية والإنسانية، التي لا تقتصر على بيئته المحلية، أو الخيلج عموماً، بل تطرق إلى قضايا إنسانية تهم الإنسان أينما كان، كالعدالة والحرية، وقد توّجت مسيرته الروائية بحصوله على جائزتي كاتارا للرواية. هذه ملامح موجزة من سيرة الراحل أحمد عبد الملك..

 

الموتى يرفضون القبور

 

في شكل الفانتازيا تأتي رواية «الموتى يرفضون القبور»، حيث يتحاور الأموات في المقبرة، ومنها تتم محاكمات لم تكن لتحدث فوق الأرض، فربما يتحقق شيء من العدالة في القبر، ومنها.. محاكمة لضابط مجرم، محاكمة لتاجر جشع، ومساءلة لعاشق تعدهُ زوجته بعدم الزواج بعد وفاته، لكنه يعرف أنها تزوجت من مديرها. كذلك يصبح المجنون هو حكيم المقبرة، وهو صاحب المنطق الوحيد والسليم. وتبدأ الأزمة عندما تقرر الحكومة إزالة المقبرة، هنا يثور الموتى ويقومون بمظاهرات كبيرة حتى تترك لهم الدولة عالمهم وحيواتهم الأخرى، ورغم إصرار الدولة على هدم المقبرة، إلا أن الموتى لا يستسلمون، بل يستقرون في جانب خفي في مدينة حديثة بنتها الدولة للشباب، يراقبون الجيل الجديد.

 

فازع

 

وتأتي رواية «فازع» التي ربما تنبأت بثورات الربيع العربي، رغم البيئة الخليجية، التي دارت فيها الأحداث. يقول عبد الملك في أحد الحوارات عن الرواية.. «كنت قد تنبأت بأن التغيّر سوف يحدث بعد خمسين عاماً في دول المنطقة، إلا أن محاولات التغيّر حدثت بعد عام واحد من الرواية! ليست تلك مصادفة، بل إنها قراءة للواقع. ولكن للاحتراز دوماً يبالغ الكاتب في عدم تحديد المساحة الزمنية، حتى لا يكتب قرار عدم مصداقيته. سوف تحدث أحداث أخرى في الخليج، وهذا ليس ببعيد، لأن واقع الأحداث اليوم ينم عن تداعيات كبيرة. حدثت في بعض دول الخليج ممارسات لم تكن لتحدث قبل عشر أو عشرين عاماً! خصوصاً في ما يتعلق بالمطالبات الإصلاحية.. وهذا يثبت أن الغد سوف يحمل مفاجآت عديدة».

 

ويقول الراحل عن أعماله الروائية.. لم أركز على البيئة المحلية، إلا في ثلاث روايات: «أحضان المنافي»، «ميهود والجنية» و»دُخان. مذكرات دبلوماسي سابق»، اللتين فازتا بجائزة (كتارا) عامي 2019 و2022. أما باقي الروايات العشر، فقد عالجت عدة موضوعات، مثل: العنصرية في «غصن أعوج»، والثأر في «شو»، وأدوات التواصل في «انكسار»، وبيع الأطفال في «باها».

 

الإذاعة

 

ويذكر عبد الملك التحوّل الذي حدث له في حياته، من خلال التحاقه بالعمل الإذاعي فيقول.. «كان دخولي إلى الإذاعة نقلة كبيرة في حياتي، غيرت مزاجي ونبهتني إلى موهبتي في الكتابة، وأدخلتني عالم الثقافة والفن، وعرفتني كيفية إعداد وتقديم البرامج واختيار المؤثرات الصوتية، وكانت امتحاناً مهماً لمدى قدرتي على التأليف وتحفيزاً لذائقة الخيال لدي».

 

الإعلام

 

وعن الإعلام ودوره يقول.. «لا نختلف على أن الإعلام في العالم العربي لعب دوراً محورياً في الثورات العربية! ونحن هنا لا نتحدث عن الإعلام الرسمي المكبل بالقيود والكهنوت والبيانات الرئاسية. الإعلام شبه الرسمي والخاص له حضور قوي في الأحداث الأخيرة في العالم العربي. ونحن لا نقلل من قيمته، بل نقارنه بالإعلام الغربي إلى حد كبير، مع اختلافنا في بعض التغطيات، أو الانحيازات تجاه بعض الأقطار العربية، نظراً للحالة بين مالكي هذا الإعلام وتلك البلدان، أو موقفها من تلك الحالات. بعد الثوارت ستكون هنالك (حسبة) جديدة يجب أن يتداولها هذا الإعلام. إذا أراد أن يثبت المصداقية في عقول الجماهير! فالمصداقية صنو الحيادية والموضوعية، وإذا لم تثبت أية وسيلة إعلامية هذه المهنية، فإذن سوف تسقط وتكشف عورتها».

 

النقد

 

ويذكر الحالة النقدية في العالم العربي بقوله.. «علاقة الإبداع بالنقد علاقة يشوبها (الشَّلل) أي إنها علاقة مريضة، والنقد في العالم العربي متراجع عن سباق النشر، لا أعلم هل هذا نتيجة ندرة المتخصصين في النقد، أم أن البعض يريد راحة البال، ولا يؤيد خلق حساسيات بينه وبين الكُتاب. بالنسبة إلى النقد في قطر، أراهُ كمثيله العربي، حيث يُكتفى بالاحتفاء بالكتاب في جلسة من أربعين دقيقة، وينتهي الأمر، بمعنى أن الترويج للكتاب يكون مرة واحدة، وقبل أن يقرأهُ القُراء! ولا يمكن اعتبار ذلك نقداً».

 

حقوق المواطنة

 

«أومن بأن الإنسان يولد حراً وله عقل يفكر، وعليه أن يختار أسلوب حياته وشريكه ومكان عيشه دون تدخل من أحد، وله الحق في العمل والعيش الكريم والحرية الشخصية، دونما تدخل من أية جهة بشرط ألا يتعدى على حرية الآخرين. نحن نفتقد الآليات المدنية التي تعيننا على تحقيق المواطنة. وبعض الدول العربية ليس فيها منظمات مجتمع مدني، بل إن بعض الأنظمة روجت سلبياً لهذا المصطلح، بحيث قرنته بالكفر، كونه أتى من الغرب، ولم تنظر له على أنه يدعم حقوق المواطنين، ويؤكد أهليتهم لممارسة المواطنة بشكل عادل» (المجلة الثقافية الجزائرية).

ومن خلال هذه الآراء نكتشف مدى التوافق الفكري للمثقف الراحل حول قضايا مهمة تشغل عقل وحياة المواطن العربي أينما كان، ومهما كان النظام السلطوي الذي يتحكم في مصيره، حيث الحرية المُفتقدة والعدالة الغائبة. رحم الله أحمد عبد الملك.

 

بيبليوغرافيا

 

أحمد جعفر عبد الملك الحمادي مواليد الدوحة في 1 يناير 1951، تخرج في جامعة بيروت قسم اللغة العربية عام 1976. ماجستير الإعلام التربوي، جامعة نيويورك 1982. دكتوراه الصحافة من جامعة ويلز 1989.

شغل العديد من الوظائف والمناصب الرسمية في الصحافة والتلفزيون القطري، منها.. مذيع في تلفزيون قطر عام 1972، وشغل منصب رئيس وحدة النصوص والترجمة، ثم رئيس قسم الأخبار عام 1976. مديراً للشؤون الإعلامية في مجلس التعاون الخليجي من عام 1993 إلى عام 1999. مستشاراً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث. أستاذا مشاركا لمواد الإعلام في جامعة قطر من عام 1983 إلى عام 2004، وأستاذا مشاركا لمواد الإعلام في كلية المجتمع عام 2014. عضو لجنة جائزة الصحافة العربية من عام 2010 إلى عام 2013.

 

الأعمال الروائية..

 

«أحضان المنافي» 2005، «القنبلة» 2006، «فازع» 2009، «الأقنعة» 2011، «الموتى يرفضون القبور» 2016، «غصن أعوج» 2017، «المعري يعود بصيراً» مسرحية 2005، «لطائف الكلام» نصوص 2010، قصص قصيرة.. «وشوشات الروح» 2012، و»نوافذ على شرفة الروح» 2014.

مؤلفات في الإعلام والنقد..

«المذيع التلفزيوني: مبادئ ومواصفات» 1983، «الجانب الآخر لنشرة الأخبار التلفزيونية» 1986، «أغسطس الرعب.. توثيق غزو الكويت» 1991، «فضائيات» 2000، «قضايا إعلامية» 1999، «دراسات في الإعلام والثقافة والتربية» 2002، «إعلاميون من طراز جديد» 2003، «بلا دبلوماسية» مقالات 2006، «الرواية القطرية.. قراءة في الاتجاهات» 2016، و»مذكرات دبلوماسي سابق» 2022. قام بتأليف العديد من المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية منذ سبعينيات القرن الفائت.

حاز جائرة كتارا للرواية العربية عن روايتيه (ميهود والجنية) 2019، و(دخان) 2022.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram