كرة القدم: ما سرّ كل هذا الشغف والتوتر والأدرينالين؟

كرة القدم: ما سرّ كل هذا الشغف والتوتر والأدرينالين؟

لا تكاد تخلو أي مباراة رياضية من شدٍّ عصبي وتوتر، لا يقتصران على اللاعبين فحسب، بل يطالان الجمهور المتابع على نحوٍ لافت

 

Telegram

.غير أنّ كرة القدم، باعتبارها الرياضة الأكثر شعبية ومتابعة في العالم، تعدّ من أكثر الرياضات تأثيراً في الصحة العقلية وصحة القلب والحالة النفسية، وفقاً لعدد كبير من الدراسات.

فحوادث التضارب، واقتحام الملاعب، والوفيات الناتجة عن أزمات قلبية، إضافة إلى مظاهر العنف والمبالغة في التعبير عن الغضب عند الفوز أو الخسارة، ترتبط بكرة القدم أكثر من غيرها من الرياضات.

وإذا كنت مشجعاً متفانياً ومتابعاً شغوفاً بها، فقد تختبر خلال اللحظات الحاسمة من المباراة تسارعاً في نبضات قلبك، وتعرّقاً في يديك، أو حالة من العصبية المفرطة.

وتعود هذه الردود إلى تداخل أنشطة جسدية متعددة، تشمل القلب والدماغ وضغط الدم، حيث تتفاعل معاً لتُحدث تغيرات في السلوك والمزاج، وقد تشكّل في بعض الحالات خطراً على صحة القلب.

 

لماذا كرة القدم؟

وتتعدد الأسباب التي تجعل من كرة القدم، أكثر من غيرها، محفزاً للغضب والتوتر.

ويعود أبرز هذه الأسباب إلى كونها اللعبة الأكثر شعبية في العالم؛ فكلما ازداد الشغف بها أو التعلق بفريق مفضل، تصاعدت مشاعر القلق والتوتر المرتبطة بالترقب، وباحتمالات الفوز أو الخسارة.

كما ترتبط هذه الحالة بأسلوب لعب كرة القدم نفسه، بما ينطوي عليه من تنافس جماعي، وتركيز عالٍ لدى اللاعبين والجمهور على حد سواء، أثناء متابعة مجريات اللعب، وبناء الفرص الهجومية، والدفاع عن المرمى، وإبراز المهارات الفردية والجماعية الممتعة.

وتعرف كرة القدم أيضاً بإيقاعها المشوق ومفاجآتها المتكررة، كالأهداف التي تسجل في الدقائق الأخيرة، أو الأحداث الخارجة عن التوقعات، مثل فوز فرق مغمورة أو أضعف على الورق.

وتضاف إلى ذلك أسباب تتصل بارتباط هذه الرياضة بالانتماء إلى جماعة أو هوية معينة، كالتشجيع المناطقي لفريق الحي أو المنطقة أو المدينة، وما يرافقه من شعور بالفخر حين ينجح فريق في تمثيل المكان الذي ينتمي إليه مشجعوه أو يقيمون فيه. ويتضاعف هذا الشعور عند تشجيع المنتخبات الوطنية في البطولات والمسابقات الدولية.

 
 

وتحظى المباريات التي تمثل تنافساً بين فريقي مدينة واحدة، أو بين مدينتين تجمعهما منافسة تاريخية، والمعروفة بـ"الديربي"، مثل ميلانو ضد روما أو مدريد ضد برشلونة، باهتمام واسع.

ولا تقتصر هوية كرة القدم على بعدها الرياضي، بل تتداخل فيها أيضاً السياسة والدين والقومية، بحسب السياقات الاجتماعية والتاريخية لكل بلد.

وترتبط هذه الرياضة ذات الجذور التاريخية، التي انطلقت بصيغتها الحديثة رسمياً من بريطانيا عام 1863، فيما تعود أشكال من ممارستها إلى ما يقارب ألفَي عام، بتقاليد وعادات وطقوس متجذرة، من بينها التجمع في المنازل والأحياء والمقاهي لمشاهدة المباريات، وتعزيز الروابط والعلاقات بين المشجعين، إضافة إلى ثقافة إنشاء روابط المشجعين، المعروفة بـ"الألتراس".

وقد تحولت كرة القدم من مجرد رياضة إلى ثقافة ولغة عالمية، إذ ينتشر مشجعو الأندية الكبرى، ولا سيما الأوروبية العريقة، في مختلف أنحاء العالم، ويتشاركون رموزاً وخطاباً مشتركين، وغالباً ما تحظى هذه الفرق بمتابعة وتعلق يفوقان ما تناله الأندية والفرق المحلية لدى بعض المشجعين.

وإلى جانب عالم كرة القدم الاحترافي، يوجد عالم موازٍ وواسع لمجتمع اللعبة، يبدأ من ممارستها منذ الطفولة في المدارس والشوارع والأحياء، حيث تتشكل العلاقة الأولى مع كرة القدم وتتكرس مكانتها الاجتماعية.

ويعتبر الاستفزاز أو الشماتة جزءاً أساسياً من عالم كرة القدم، في الحي أو العمل أو المدرسة أو الجامعة، مع ما يرافق ذلك من مواقف طريفة أو ردات فعل غاضبة.

وقد يصل الإعجاب بنجوم كرة القدم إلى درجة تقديسهم.

ولعلّ استعادة أبيات من قصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش في رثاء نهاية بطولة كأس العالم 1986، تساهم في تصوير هذا الشغف الكروي.

خاطب درويش في قصيدته الاسطورة مارادونا الذي قاد منتخبه حينها للفوز بكأس العالم قائلاً:

" يا مارادونا ، ماذا فعلت بالساعة؟ ماذا صنعت بالمواعيد؟

ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟

مع منْ سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب، وخوفه، على قدميه المعجزتين؟ وإلى من نأنس ونتحمّس بعدما أدمناه شهراً تحوّلنا خلاله من مشاهدين إلى عشّاق؟"

مشاهد مألوفة في جنون كرة القدم

الصراخ والبكاء والانفعال، وتحطيم الشاشة أو الأثاث داخل المنزل، أو إلحاق الضرر بالممتلكات في الطرقات.

الصراخ على اللاعبين عبر الشاشة أو من المدرجات لتوجيههم، أحياناً بإشارات الأيدي، أو لمحاسبتهم عند الخطأ أو التقصير.

التركيز إلى حدّ الاندماج الكامل في مجريات المباراة، والغضب عند مقاطعة المشاهدة، إلى جانب الإفراط أحياناً في الطعام والشراب أو في استهلاك الكحول.

عدم القدرة على متابعة المباراة جلوساً أو وقوفاً في مكان واحد، حتى داخل غرفة جلوس ضيّقة في المنزل.

الاستدارة أو العجز عن مشاهدة تنفيذ ركلات الجزاء الحاسمة.

القفز أو الجري عند إضاعة فرصة، أو عند تلقّي الأهداف أو تسجيلها، والضرب باليدين على الرأس، أو التحدّث إلى الذات.

الحماس المبالغ فيه عند تشجيع فريق من بلد آخر بعيد جغرافياً، كما يظهر في الانقسام الحادّ لدى بعض المشجّعين العرب بين تأييد برشلونة أو ريال مدريد.

وفي المقابل، نشهد أحياناً اندفاعاً مفرطاً لدى اللاعبين أنفسهم عند الانخراط في مشادات كلامية أو اشتباكات جسدية، من دون اكتراث بعواقب الطرد أو العقوبات التي قد تؤثر في مسيرتهم المهنية. وغالباً ما تنعكس هذه السلوكيات على المشاهدين في المنازل أو المدرجات، فتغذّي بدورها ردّات فعل غاضبة ومتشنّجة.

فما هي أسباب هذا الحماس؟

أدرينالين كرة القدم

لنتذكر أحداث المباراة النهائية لكأس العالم 2022 في قطر بين فرنسا والأرجنتين. من البديهي أن يترافق نهائي كأس العالم مع قدر عالٍ من الحماس والتوتر، غير أن مجريات هذه المباراة تحديداً، منذ صافرتها الأولى حتى ركلات الجزاء الحاسمة، بما شهدته من تقلبات دراماتيكية، وأهداف، وفرص ضائعة، جعلتها واحدة من أكثر النهائيات استثنائية في تاريخ البطولة.

ولنتخيل أننا من مشجعي فرنسا أو الأرجنتين، أو نحاول استحضار ما شعر به الأرجنتينيون والفرنسيون في تلك الليلة.

تشير دراسات حديثة وأخرى أقدم إلى نشاط دماغي مكثف عند مشاهدة مباراة كرة قدم لفريق يشجعه الفرد، ولا سيما لدى المشجعين المتفانين. فببساطة، يفرز الدماغ هرمونات مختلفة تبعاً للمشاعر المصاحبة للمشاهدة، سواء التوتر والقلق والحزن، أو الفرح والابتهاج.

ففوز الفريق الذي نشجعه يؤدي إلى إفراز الدوبامين، وهو الهرمون المرتبط بالشعور بالسعادة وتحسن المزاج. في المقابل، يؤدي التوتر والقلق إلى إفراز الأدرينالين والكورتيزول، المسؤولين عن الاستجابة الجسدية في حالات التوتر والخطر، والمعروفة بـ"استجابة الكر والفر".

ويساهم الأدرينالين في رفع ضغط الدم وزيادة عدد وسرعة ضربات القلب والتعرق، فيما يساعد الكورتيزول على تعبئة الطاقة. وعلى الجانب الآخر، قد يمر المشجعون بحالات إحباط، ويشعرون بحزن عميق وخيبة أمل عند خسارة فريقهم، ما ينعكس مباشرةً على حالتهم المزاجية.

ونشرت جامعة أوكسفورد عام 2020 دراسة في مجلة "العلم والصحة"، كشفت أن المشجعين المرتبطين بشدة بفرقهم، أو بأي هوية جماعية أخرى، يمتلكون "سمات نفسية ـ فسيولوجية فريدة"، مقارنة بالمشجعين الأقل اندماجاً أو تعلقاً.

وعلقت الدكتورة مارتا نيوسن، الباحثة في مركز دراسات التماسك الاجتماعي في أوكسفورد، بأن هذه السمات يمكن ملاحظتها بوضوح في سلوكيات المشجعين، من الأناشيد والهتافات، وصولاً إلى مظاهر العنف.

وأشارت الدراسة إلى وجود عدد من الحالات الصحية المرتبطة بمستويات التوتر المرتفعة، ينبغي على مشجعي كرة القدم المتحمسين الإحاطة بها. فهرمون الكورتيزول، وإن كان ضرورياً للتعامل مع ضغوط الحياة اليومية، فإن ارتفاعه لفترات طويلة قد يؤدي إلى ضعف جهاز المناعة، وزيادة الوزن، وارتفاع ضغط الدم، مع ما يرافق ذلك من زيادة في خطر الإصابة بأمراض القلب.

كما أوردت الدراسة أن أبحاثاً سابقة أظهرت ارتفاعاً في معدلات النوبات القلبية بين المشجعين خلال المباريات الكبرى والحاسمة.

من العشق ما قتل؟

منذ أيام قليلة، تداولت منصات التواصل الاجتماعي خبر وفاة شاب عراقي في كركوك، عرف بشغفه بريال مدريد، إثر جلطة قلبية، بعد عودته من السعودية ومشاهدته مباراة برشلونة وريال مدريد، التي خسر خلالها فريقه المفضل نهائي كأس السوبر.

وربطت بعض الأخبار بين وفاته وخسارة فريقه، وهي رواية تتكرر في حالات مشابهة. فقد سجل إيقاف مباراة في إسبانيا عام 2023 بعد وفاة مشجع بأزمة قلبية في المدرجات، كما أعلن عن وفاة مشجع سوري متأثراً بخسارة فريقه عام 2017، ووفاة مشجع لنادي فنربخشة التركي عام 2021، قيل حينها إن قلبه "لم يتحمل الإثارة"، رغم فوز فريقه.

ولا تتوافر، في هذه الحالات، أدلة طبية منشورة تثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين فوز الفريق أو خسارته وأسباب الوفاة الفعلية.

لكن دراسة نشرت على موقع المعاهد الوطنية للصحة (NIH) في الولايات المتحدة أفادت بارتفاع نسبته 15 في المئة في مراجعات أقسام أمراض القلب في المستشفيات خلال فترة كأس العالم 2022، ما يشير إلى تزامن المباريات الكبرى مع زيادة الضغط القلبي لدى بعض الفئات، من دون الجزم بعلاقة سببية مباشرة.

وأكدت دراسة حديثة نشرت في أغسطس/آب 2025 عن أكاديمية هيوستن ميثوديست أن مشاهدة المباريات الرياضية التنافسية تؤثر في القلب، وأن ارتفاع ضغط الدم وتسارع ضربات القلب لفترات طويلة قد ينعكسا سلباً على صحته.

وتطمئن الدراسة إلى أن هذه الارتفاعات لدى المشاهدين لا تبلغ عادةً المستويات المسجلة لدى اللاعبين داخل الملعب، لكنها تحذر في المقابل من أن الأشخاص الذين يعانون أمراضاً قلبية سابقة قد يكونون الأكثر تأثراً.

كما نشرت جامعة هارفارد تقريراً عام 2024 أكد أن متابعة المباريات الحماسية بتوتر وانفعال قد تضر بالصحة، ولا سيما صحة القلب، مشيراً إلى دراسة أجريت عام 2017 أظهرت أن معدل ضربات القلب قد يتضاعف أثناء مشاهدة بعض المباريات.

وبناءً على ذلك، تلجأ بعض المواقع الطبية والإعلامية إلى نشر إرشادات للتخفيف من التوتر خلال المتابعة، مثل الحفاظ على ترطيب الجسم، والحد من استهلاك الكحول، وتجنب الإفراط في الطعام، والالتزام بالأدوية الموصوفة لمرضى القلب. كما ينصح بأخذ فترات استراحة قصيرة أثناء المباراة، والتنفس بهدوء، والتحرك أو أداء تمارين تمدد خفيفة، أو حتى تذكير النفس بأن ما يجري هو، في النهاية، مجرد لعبة.

غير أن هذه النصيحة الأخيرة نادراً ما تجد صدى في عالم كرة القدم، حيث يشيع شعار "أكثر من مجرد لعبة". وقد نقل عن مدرب ليفربول السابق بيل شانكلي قوله إن كرة القدم "أهم بكثير من مسألة حياة أو موت"، كما ينسب إلى الأسطورة الهولندي يوهان كرويف قوله إن "كرة القدم ليست مجرد لعبة، إنها أسلوب حياة".

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram