إن الحديث عن مراحل تشكل الأدب التفاعلي، يجعلنا نقف عند نقطتين في غاية الأهمية، الأولى حديث عن مراحل تحول الوسيط من الأدب الشفاهي إلى الأدب الكتابي، وصولا إلى الأدب التفاعلي الرقمي، أما الثانية فهي الحديث عن مراحل تشكل المفهوم من الأدب الإلكتروني إلى الأدب الرقمي، وصولا إلى الأدب التفاعلي.
نتناول بداية النقطة الأولى، والتي تُفضي إلى الحديث عن التحولات الكبرى الطارئة على النص، فمن الشفاهية/النص الشفاهي المنقول والمُتداول شفاهة بالحفظ، ويُمكن القول، إنه نص مرن قابل للتعديل من متكلم إلى آخر، ويتطرق موريس هويس إلى مفهوم النصوص الشفهية الأصيلة بأنها تلك التي تتميز بترقيم موقع يجعل من السهل على المُتكلم تخزينها في ذاكرته، وعلى الجمهور فهمها. ويذهب أدونيس إلى أن الشفوية تفترض السماع، فالصوت يستدعي الأذن أولا. ولهذا كان للشفوية فن خاص في القول الشعري، لا يقوم في المُعبر عنه، بل في طريقة التعبير.
ومع ظهور الكتابة، والطباعة لاحقا، شهد النص تحولا من النص الشفاهي إلى النص الورقي/النص المكتوب الذي عُرف باستقرار الحرف وديمومته، وقد ميز رولان بارت، بين النص المقروء والنص المكتوب؛ فالأول يقبل قراءة واحدة، فيستنفد دلالته من القراءة الأولى، بينما يحتل النص المكتوب قراءات وتأويلات متعددة.
بدأت المرحلة الثالثة مع صعود الوسائط الرقمية، فكان النص الإلكتروني/الرقمي قفزة نوعية من الثبات إلى التحول، ومن السكون إلى الحركة؛ إذ إن النص الأدبي لم يعد محصورا في أفق القراءة التقليدية، بل أصبح مع تطور الوسائط التكنولوجية قادرا على التجلي بطرق متعددة، هذا التطور خلق صراعا معرفيا بين القُراء، وبالتالي إعادة تشكيل تجربة التلقي بطرح أبعاد معرفية مختلفة.
إن امتلاك المبدع للأدوات التكنولوجية المطلوبة تُمكنه من تطوير قدراته الإبداعية وتقديم نصوص أو أعمال فنية تتناسب وروح البيئة، كما أن الاستخدام الواعي لهذه الأدوات له أثر مباشر على تجربة جمهور القراء في تلقي النص؛ إذ يتغير التفاعل مع العمل الفني، أو الأدبي وفقا للوسائل والأساليب التي يستخدمها المبدع، مما يفتح آفاقا جديدة للفهم والتفاعل بين النص وجمهوره. أما بخصوص النقطة الثانية، فقد شاعت ثلاثة مصطلحات: الأدب الإلكتروني، والأدب الرقمي، والأدب التفاعلي، وهو ما يجعلنا نقف عند رأيين مختلفين.
الرأي الأول: يرى أن الأدب الإلكتروني هو الأدب الرقمي، وهو كذلك الأدب التفاعلي، وأن الحدود بين المصطلحات تتلاشى، فتدل على المضمون نفسه، باعتبار أن تحديد معنى المصطلح لم يعد عند صناع الأدب مشكلة، فكل مصطلح قد يحل محل الآخر، ويتخذ المواصفات نفسها لهذا الآخر.
الأدب الإلكتروني= الأدب الرقمي= الأدب التفاعلي
الرأي الثاني: وعلى خلاف الرأي الأول، فإن الأدب الإلكتروني هو أولى الخُطوات، والمُراد منه هو النص المعروض من خلال الوسيط (جهاز الكومبيوتر)، ولا يُشترط فيه اتصاله بالإنترنت. بينما يمثل الأدب الرقمي النص المعروض من خلال الوسيط، ويُشترط فيه اتصاله بالإنترنت؛ من أجل الاستفادة من الإمكانيات المُتاحة، والمُؤثرات المُختلفة التي تُعطي الصيغة الرقمية له، ولكنه لا يشترط التفاعل، وفيه يقول سعيد يقطين، إنه مجموع الإبداعات التي تولدت مع توظيف الحاسوب ولم تكن موجودة قبل ذلك، أو تطورت من أشكال قديمة، ولكنها اتخذت مع الحاسوب صورا جديدة في النتاج والتلقي.
أما الأدب التفاعلي فيقوم أساسا على التفاعل القائم بين النص والقارئ؛ من خلال منح الكاتب القارئ مساحة للمُشاركة في كتابة وتغيير مسار الأحداث.
الأدب الإلكتروني ـ الأدب الرقمي ـ الأدب التفاعلي
فالأدب التفاعلي قائم على التفاعل ومشروط به، وهو فعل محرك للنص، وهو ما ذهب إليه سيرج بوشاردون في حديثه عن سؤال السرد الأدبي التفاعلي، باعتباره نوعا جديدا هجينا قائما على مفارقة جوهرية بين السرد والتفاعل أو القراءة والفعل.
إن إقحام القارئ كمبدع ثان للنص في العملية الإبداعية، يجعلنا نلتفت إلى نظرية موت الكاتب/المؤلف التي أقرها رولان بارث، باعتبار أن القارئ استلم العملية الإبداعية، وأخذ يعمل على كتابة نصوص إبداعية مشتركة بينه وبين الكاتب، إذ إن العلاقة التفاعلية بين أطراف العملية الإبداعية (الكاتب والنص والمتلقي) كسرت الحدود الجغرافية والفوارق المعرفية.
يُعد الأدب التفاعلي نقلة نوعية في مفهومي الكتابة والقراءة، تُعيد النظر في ثنائية (المؤلف/القارئ)، وتُحول الأدب إلى فضاء مفتوح، تتشارك فيه أطراف العملية الإبداعية عبر الوسيط الجديد في عملية إنتاج المعنى.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :