قانون الفجوة المالية: بين النصّ التشريعي واختبار الأخلاق
بقلم الدّكتور رياض عبجي
بعد سنواتٍ من الانتظار، والنقاشات المطوّلة، والوعود المؤجَّلة، أقرّ مجلس الوزراء اللبناني مشروع قانون «الانتظام المالي واسترداد الودائع» وأحاله إلى مجلس النواب. إنّ هذا النصّ التشريعي بالغ الأهمية، ليس فقط لما يتضمّنه من آليات تقنية لمعالجة الخسائر المتراكمة في النظام المالي، بل لأنه يشكّل، وللمرة الأولى، محاولة لبنانيّة رسمية لوضع إطار قانوني شامل لأزمة غير مسبوقة في التاريخ.
ينطلق مشروع القانون من تشخيص واضح: خلل عميق في التوازن المالي والنقدي، خسائر جسيمة في ميزانية مصرف لبنان، تعثّر القطاع المصرفي، وتقييد شبه كامل لحقوق المودعين. ويهدف النص إلى إعادة هيكلة الميزانيات، وتحديد آليات توزيع الخسائر، وتصنيف الودائع، وتنظيم أدوات السداد عبر وسائل مالية مختلفة، بما فيها أوراق مالية وأدوات موثوقة. كما يلحظ القانون إجراءات استثنائية تمسّ جوهر العلاقة بين الدولة، المصرف المركزي، المصارف، والمودعين. وهو بذلك يتجاوز كونه نصاً تقنياً ليصبح قانوناً يؤسّس لمرحلة جديدة، بكل ما تحمله من تبعات قانونية، واقتصادية، وأخلاقية.
غير أنّ خطورة هذا القانون، وأهميته في آن، تفرضان مقاربته ليس فقط من زاوية «ما ينصّ عليه»، بل من زاوية ما يفترض أن يحكمه: أي منظومة القيم والمبادئ التي يجب أن تؤطّر أي معالجة عادلة ومستدامة للأزمة.
لقد بات هناك شبه إجماع وطني على جملة مبادئ لا يمكن القفز فوقها:
فالجميع متفق على أن استعادة الثقة شرطٌ اساسي لأي نهوض.
والجميع متفق على أن المحاسبة ضرورة لا خيار.
والجميع متفق على أن التضحيات لا بد أن تُوزّع بعدالة.
والجميع متفق على أن الاقتصاد المنتج هو السبيل الوحيد للخروج من الانهيار.
والجميع متفق، أو يفترض أن يكون، على أن لبنان لا يمكن أن يُبنى من جديد إلا على أساس الأخلاق.
من هذه المسلّمات، تنطلق الملاحظات الآتية.
أولاً، سيادة القانون ليست تفصيلاً. فلا يجوز أن يتحوّل قانون الفجوة إلى سابقة تشريعية تُشرعن مفعولاً رجعياً، أو تتناقض مع الدستور، أو تخرق المبادئ القانونية الدولية. الإصلاح لا يكون ابدا بهدم القواعد، بل بتعزيزها. وأي قانون جديد يجب أن يُكمّل المنظومة القانونية القائمة، لا أن يُضعفها.
ثانياً، المحاسبة لا يمكن أن تكون انتقائية. وحصرها بالمصارف والمودعين فقط يُفرغها من معناها. فالخسائر لم تنشأ في الفراغ، بل كانت نتيجة قرارات سيادية، وسوء إدارة مزمن، وفساد مستشرٍ في مؤسسات عامة وكيانات مملوكة من الدولة. إن تجاهل هذا الواقع يُحوّل القانون من أداة عدالة إلى أداة ظلم مُقنّع.
ثالثاً، إذا كانت «الفجوة» قد نشأت أساساً عن خيارات الدولة، فإن العدالة تقتضي أن تتحمّل الدولة الجزء الأساسي من كلفتها، عبر أدوات ضريبية عادلة. مساهمة المصارف والمودعين هي، في جوهرها، ضريبة على رأس المال. والإنصاف يفرض فرض ضريبة مماثلة على رؤوس الأموال الموجودة خارج لبنان والمملوكة من مقيمين، وعلى الثروات العقارية، وعلى رؤوس أموال الشركات اللبنانية. من دون ذلك، يصبح توزيع الخسائر مختلاً أخلاقياً قبل أن يكون مختلاً اقتصادياً.
رابعاً، الكفاءة يجب أن تُكافأ، واللاجدوى يجب أن تُحارَب.فلا يمكن لقانون الفجوة أن ينجح بمعزل عن إصلاح شامل للدولة ومؤسساتها. كما لا يمكن إنقاذ الاقتصاد من دون إزالة العوائق أمام المبادرة الفردية والاستثمار. وبما أن الدولة قد خفّضت فعلياً دينها ونفقاتها، فمن البديهي أن تُخفَّض الضرائب على الدخل، لا أن تُثقل كاهل النشاط المنتج.
خامساً، وربما الأهم، هناك حاجة ماسة إلى إعلان واضح وصريح عن سموّ الأخلاق. ليس كشعار فحسب، بل كمبدأ فعلي حاكم. إعلان برلماني يؤكّد أن الأخلاق تتقدّم على أي قانون أو مرسوم أو حكم، ويُشكّل مرجعية عليا للسلوك العام.
بناء عليه وعملياً، تبرز متطلبات فورية لا تحتمل التأجيل:
• إنشاء صندوق مستقل، يُدار ويُراقَب بعيداً عن الدولة، تُحوَّل إليه مساهمة الدولة، عائدات المؤسسات العامة، والأموال المستردة من الفساد والمسؤوليات التقصيرية، على أن تُخصَّص موارده لتعويض كامل خسائر المودعين والمصارف الحاليّة منها والماضية.
• إنشاء هيئة مستقلة تُعنى باسترداد الأموال وملاحقة المحاسبة.
• تأسيس مجلس وطني للأخلاقيات، يكرّس الأخلاق كمعيار في السياسات العامة والسلوك المؤسسي.
• إعادة الاحتياطات العائدة لمصرف لبنان والمودعة في الخارج إلى المصارف التجارية فوراً لتلبية الحاجات الملحّة للاقتصاد الوطني.
• وأخيرا، جعل أي أدوات أو سندات تصدر لتسديد مستحقات مصرف لبنان قابلة للتداول في السوق المالية اللبنانية.
إن هذه الأزمة الكبيرة، وعلى الرغم من سوداويتها، يمكن أن تكون فرصة تاريخية لنا. فرصة ليصبح لبنان نموذجاً عالمياً في تحويل واقع الانهيار المرير إلى مسار إصلاحي قائم على القواعد والرؤية والأخلاق. لكن ذلك يقتضي رفض الحلول السهلة التي تخرق المبادئ وتؤسّس لرداءة دائمة.
قانون الفجوة ليس مجرد نصّ.
إنه تأكيد أخلاقي.
والأمم لا تُقاس بما تشرّعه فقط، بل بما تختار أن تلتزم به.
د. رياض عبجي
رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لبنك بيمو
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي