كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع "ايكون نيوز"
في أي دولة طبيعية، يكفي أن يُذكر اسم مصرفي بارز في لوائح اتهام قضائية دولية خطيرة، حتى يُعزل سياسيًا ويُبعد عن أي موقع عام إلى حين تبيان الحقيقة. أما في لبنان، فالصورة معكوسة تمامًا: من يُلاحَق في الخارج، يُعاد تدويره في الداخل، ومن تُطارده ملفات تبييض أموال واختلاس، يُطرح اسمه بهدوء كمرشّح نيابي “توافقي”.
ملف مروان خير الدين لم يعد خافيًا على أحد. الرجل انتقل من كونه أحد أركان المنظومة المصرفية، إلى اسم وارد رسميًا في تحقيقات القضاء الفرنسي ضمن ملف رياض سلامة، مع ما يتضمّنه ذلك من اتهامات ثقيلة وخطيرة تمسّ المال العام وسمعة النظام المالي اللبناني. ومع ذلك، لا نشهد أي نقاش وطني حول أهليته السياسية أو الأخلاقية، بل على العكس، يجري التعامل مع الملف وكأنه تفصيل تقني لا يستحق التوقف عنده.
الأخطر ليس فقط في مضمون الاتهامات، بل في الرسالة السياسية التي يبعثها هذا المسار: لبنان لا يكتفي بعدم المحاسبة، بل يذهب أبعد، فيحوّل الشبهات الدولية إلى رصيد داخلي، ويكافئ أصحاب الملفات بدل تحييدهم. وهنا، لا يعود السؤال قانونيًا فحسب، بل يصبح سؤالًا عن طبيعة النظام نفسه: هل ما زال هذا البلد يحاول إقناع العالم بإصلاحٍ ما، أم أنه يصرّ على الانتحار السياسي والمالي العلني؟
إن إعادة تعويم أسماء من هذا النوع في الحياة العامة، فيما يخوض لبنان واحدة من أسوأ أزماته المالية، تشكّل صفعة لكل مودِع، ولكل قاضٍ شريف، ولكل خطاب رسمي يتحدث عن “استعادة الثقة”. أي ثقة تُستعاد، فيما من تُلاحقه العدالة في الخارج يُفتح له باب البرلمان في الداخل؟
الأكثر إثارة للقلق، أن اسم مروان خير الدين لا يُطرح عشوائيًا، بل يُقال إن هناك تفاهمًا سياسيًا بين الرئيس نبيه بري والنائب السابق وليد جنبلاط على ترشيحه عن دائرة حاصبيا. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن لقوى سياسية وازنة أن تتوافق على ترشيح شخصية بهذا الحجم من الإشكاليات القضائية؟ والأهم: أين موقف حليف الرئيس بري في الثنائي الشيعي من هذا الترشيح؟ ولماذا هذا الصمت المريب، في لحظة يُفترض فيها أن تكون المعايير الأخلاقية والسيادية في ذروتها؟
هل نحن أمام تسوية صامتة… أم أمام اختبار جديد لقدرة المنظومة على فرض الأمر الواقع، مهما كان الثمن؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :