تحت وطأة الحاجة الزراعية المتزايدة وضغط التغير المناخي، يواجه الساحل اللبناني اليوم "انقلابًا" طبيعيا صامتا. فالمياه الجوفية التي كانت شريان الحياة للزراعة، تملّحت بفعل التدخل البشري الجائر، لتتحول التربة الساحلية من منبع للخير إلى ضحية للتملّح. هذه الأزمة، التي تبدو للوهلة الأولى تقنية، هي في جوهرها تهديد مباشر لاستدامة البيئة وصحة الإنسان، مما يستدعي دق ناقوس الخطر قبل أن تفقد الأراضي الساحلية قدرتها على العطاء للأبد.
تصلب التربة وفقدان مرونتها المائية
لا تتوقف أزمة التملح عند حدود جفاف المحاصيل، بل تمتد إلى قلب النظام الإيكولوجي الساحلي اللبناني، لتشكل تهديدًا بيئيًا متكاملًا. ففي محافظات طرابلس وعكار شمالًا، وصولًا إلى الحواضن الزراعية في الجنوب، يعاني الخزان الجوفي من حالة من "الاستنزاف الانتحاري"، حيث يؤدي الضغط المفرط لشفط المياه العذبة إلى خلق فراغ ضغطي يجذب مياه البحر لسدّه، فيما يعرف علميًا بـ "تداخل المياه المالحة". هذا التداخل لا يهدد فقط المياه الصالحة للشرب والزراعة، بل يشكل أيضًا نقطة البداية لسلسلة من التغيرات البيئية الخطرة التي تمتد إلى التربة والنباتات والمياه.
على صعيد التربة، يترتب على ملامسة المياه المالحة لذرات التربة الساحلية تسمم المسام الأرضية. فالصوديوم في المياه المالحة يحل محل العناصر المغذية الأساسية مثل الكالسيوم والمغنيسيوم، مما يؤدي إلى تصلب بنية التربة وفقدان نفاذيتها، لتتحول من "إسفنجة حيوية" قادرة على احتواء الماء والهواء، إلى طبقة صماء ترفض الحياة النباتية. هذا التحول الكيميائي يعيق قدرة التربة على دعم المحاصيل ويضعف قدرتها على التعافي الطبيعي، مهددًا الزراعة واستدامة النظام البيئي الساحلي.
هذا ويظهر تأثر النباتات بهذا التملح بشكل واضح من خلال ما يُعرف بـ الإجهاد الأسموزي للجذور. ففي الأراضي الساحلية في طرابلس والجنوب، لم تعد النباتات قادرة على امتصاص الماء حتى عند توافره، بسبب الملوحة المرتفعة التي تمنع الجذور من شرب الرطوبة. النتيجة أن النباتات تذبل عطشًا وسط حقول مزروعة ومروية، مما يخلق ما يمكن وصفه بـ "الجفاف الفسيولوجي"، وهو أحد أبرز مظاهر التدهور البيئي الناتج عن التملح.
كما يزيد التغير المناخي وندرة الأمطار من تفاقم هذه المشكلة، إذ انحسرت عملية الغسيل الطبيعي للتربة، التي كانت تساعد على دفع الأملاح نحو الأعماق. الأمطار التي كانت تنقل الأملاح بعيدًا عن الطبقات العليا باتت شحيحة، مما سمح بتراكمها في التربة السطحية، وحولت المجاري المائية القريبة إلى قنوات تنقل الموت الملحي بدل الحياة. هذه الظروف تجعل التربة والمياه والنباتات عرضة لخطر دائم، وتؤكد أن التملح في المناطق الساحلية اللبنانية ليس مجرد مشكلة زراعية، بل أزمة بيئية متكاملة تتطلب حلولًا عاجلة ومستدامة.
التداعيات البيئية والصحية
لا يقتصر التملح على إذابة جذور المزروعات، بل يمثل زحفًا كيميائيًا يعيد تشكيل هوية الساحل اللبناني، محولًا ما كان يومًا "جنة خضراء" إلى مستنقعات شبه قاحلة. فالموضوع لم يعد مجرد نقص في الإنتاج الزراعي، بل تغيير عميق في جينات الأرض نفسها. ففي الطبقات العميقة للتربة الساحلية، يدور صراع كيميائي غير متكافئ، حيث يطرد الصوديوم والكلوريد العناصر الغذائية الحيوية للنباتات، ما يؤدي إلى تشبع الأرض بالملح وفقدانها القدرة على امتصاص المغذيات.
هذا وباتت المحاصيل الأساسية، من خضراوات وحبوب، التي كانت فخر المائدة اللبنانية، تنمو هزيلة أو تموت في مهدها، فيما تظهر القشرة الملحية البيضاء ليغطي المساحات الخضراء، محوّلة إياها إلى أراضٍ شبه صحراوية لا تقوى حتى الأعشاب البرية على مقاومة ملوحتها.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود الحقل، فالملح يتسلل تدريجيًا إلى خزانات المياه الجوفية، التي يعتمد عليها سكان الساحل للشرب والاستخدام المنزلي، محولًا ما كان يومًا ماءً عذبًا إلى "محلول ملحي" يهدد صحة الإنسان. ويربط الخبراء بين ارتفاع ملوحة المياه وزيادة حالات ارتفاع ضغط الدم وأمراض الكلى المزمنة، خاصة في المناطق الفقيرة التي تعتمد على الآبار المنزلية. الأطفال وكبار السن هم الضحايا الأوائل، إذ لا تحتمل أجسادهم الرقيقة هذا التركيز العالي من الصوديوم، ما يجعل كل رشفة ماء مصدرًا محتملًا للاعتلال الصحي.
أما على صعيد التنوع البيولوجي، فإن الساحل اللبناني يشهد حالة من "النفي القسري" للكائنات الأصلية، إذ تجد النباتات والحيوانات التي اعتادت توازنا بيئيا دقيقا نفسها أمام بيئة عدائية لا تسمح لها بالبقاء. وتختفي الأنواع الأصلية تدريجيًا، ليحل محلها أنواع دخيلة أو صحراوية، ما يغير الوجه الطبيعي للبنان كما عرفناه عبر الأجيال. وفي وصف صريح، فإن ما يحدث في الساحل يشبه "تصحّرًا رطبًا"، حيث المياه تحيط بنا من كل جانب، لكنها بدلًا من أن تمنح الحياة، تسرقها منا.
الحلول الممكنة لمواجهة التملح
لمواجهة هذه الأزمة، يجب اعتماد استراتيجيات شاملة لإدارة المياه والتربة في المناطق الساحلية. أولًا، يمكن تقليل الاعتماد على المياه المالحة من خلال تحلية مياه البحر أو استخدام مياه الأمطار المخزنة لري المزروعات. ثانيًا، تطبيق نظم ري حديثة مثل الري بالتنقيط، الذي يقلل من كمية المياه المستخدمة ويحد من تراكم الأملاح في التربة.
إضافة إلى ذلك، يمكن استخدام نباتات مقاومة للملوحة أو إدخال تقنيات تدوير التربة لغسل الأملاح المتراكمة وتحسين تهويتها. ويجب أن تترافق هذه الحلول مع سياسات حكومية وتشريعات بيئية ترشد المزارعين نحو الاستخدام المستدام للمياه، مع تشجيع المزارع الذكية والممارسات الزراعية المستدامة التي تضمن حماية الموارد الطبيعية على المدى الطويل.
في نهاية المطاف، إن ما يشهده الساحل اللبناني من "تصحّر رطب" هو اختبار حقيقي لقدرتنا على الصمود البيئي، فإما أن نستمر في سياسة الاستنزاف الانتحاري لمواردنا الجوفية حتى تتحول جناتنا الساحلية إلى أراض قاحلة، وإما أن نختار طريق التغيير الجذري.
إن الحلول التقنية من ريٍّ حديث وزراعات مقاومة للملوحة متوافرة، لكنها تظل ناقصة ما لم تقترن بإرادة سياسية وتشريعات تحمي "حق الأرض" في البقاء. إن إنقاذ الساحل ليس ترفا أكاديميا، بل هو ضرورة لحماية رغيف خبزنا، وصحة أطفالنا، وهويتنا الطبيعية التي لطالما تغنى بها الشعراء.
لقد دقّ البحر أبواب حقولنا بملوحته، مخلفًا وراءه أزمة خفية تأكل الأخضر واليابس. اليوم، يقف المزارع اللبناني وحيدًا في مواجهة هذا الزحف الصامت، ينتظر عدالةً بيئية تعيد للمياه عذوبتها وللتربة حيويتها. فهل نتحرك قبل أن تصبح مياهنا شرابًا مرًا، وأرضنا ذاكرة منسية من الخصوبة؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :