إنّ للتحوّلات الكبرى التي شهدها العالم في مطلع التسعينيات والتي تمثّلت أساسا في انهيار وتفكّك الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي اقتصاديا وعسكريا(حلف وارسو) وإيديولوجيا (الخيار الليبرالي بدل العقيدة الشيوعية) وتوحّد ألمانيا، عميق الأثر في ولادة تقسيم جيو-سياسي جديد تجلّت ملامحه في انخرام عقد الثنائية القطبية وسيطرة العالم أحادي القطب في شكله الرأسمالي الساعي إلى اخضاع بقية العالم وفق مخطّط مدروس لسيطرته الشاملة..
هذا النظام الكوني الجديد ومنذ ولادته ما فتئ يرفع شعارات خلاّبة يؤسس من خلالها-حسب ما يدعيه-لتحقيق السلم العالمي وإقرار سيادة القانون في العلاقات الدولية ومبدأ المساواة بين الدول إضافة إلى تقوية دور المؤسسات العالمية للأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلا أنّ هذه الشعارات البرّاقة سرعان ما هوت خاسفة حين اصطدمت بوقائع شهدها ومازال يشهدها العالم وتعرّت تبعا لذلك الحقائق لتحيل في مضمونها إلى ممارسات تتعارض بشدّة مع
الخطاب-الجميل-لمؤسسي النظام الدولي الجديد، ذلك أنّ هذا-النظام-انبجس من خلف دخان الجنون وجلبة القوّة حيث شكّل العراق الحلقة الأولى لعملية التنظيف التي قامت بها أمريكا -لتسوية-الأرض في الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها الاستراتيجية-السياسية من خلال تركيز أنظمة موالية لها سياسيا وإيديولوجيا، ودحض كل ما -يهدّد-التوازن العسكري في المنطقة لصالح إسرائيل وبما يحقّق في ذات الوقت الأهداف الإستراتيجية المتمثلة في التحكّم المباشر في منابع النفط.. وبعد-تسوية الأرض-في القطاع الشرقي من الوطن العربي اتجهت -الأنظار الأمريكية-نحو آسيا الوسطى لاستكمال هذه التسوية السياسية بهدف القضاء على -حركة طالبان وتنظيم القاعدة عبر حرب عدوانية على الشعب الأفغاني صارت-اليوم- أهدافها ومراميها معروفة تستّرت فيها أمريكا تحت ذريعة القضاء على أوكار الإرهاب، وهذا السلوك العدواني لا يختلف من حيث الجوهر عن ذلك الذي مارسته الولايات المتحدة الأمريكية في أمريكا اللاتينية حيث تدخلت في كولومبيا باسم محاربة المخدرات، أو في الخليج-مثلما أشرنا-حين تدخلت في الجزيرة العربية ودمّرت العراق باسم احترام الشرعية الدولية.!!
وهنا يثار تساؤل: لماذا لم يتم تفعيل دور الجامعة العربية من أجل حماية مجلس الأمن القومي العربي الذي يعتبر المس به أحد الأهداف المضمرة التي انبثق من أجلها النظام الدولي الجديد؟ ولمَ لم يلجأ إلى تطبيق معاهدة الدفاع العربي المشترك لمواجهة الاعتداءات المتكرّرة على أمن عدّة أقطار عربية؟ !ثم أين هو دور حركة عدم الانحياز ومجموعة الدول الأفروآسيوية وتكتلات دول الجنوب حيال هذه الاعتداءات وإزاء نظام دولي لا حظّ لها فيه؟!
الوجه السافر للنظام الدولي الجديد:
إنّ النظام الدولي الجديد هو امتداد لسلفه القديم من حيث كونه إطارا لحماية المصلحة، بما يجعله يعتمد على القوّة من أجل فرض المشروعية
إنّ النظام الدولي الجديد هو امتداد لسلفه القديم من حيث كونه إطارا لحماية المصلحة، بما يجعله يعتمد على القوّة من أجل فرض المشروعية والقانون كما يتذرّع بالمشروعية والقانون بهدف ممارسة القوّةّ ذلك بعد أن مالت كفّة التوازن لصالح أمريكا التي ترى في القوّة والهيمنة والمصلحة إحدى الركائز الأساسية لسياستها الخارجية وتحرّكاتها الدولية، وعلى الرغم من التمظهرات المخاتلة لهذا-النظام-والتي تتسم زيفا باحتواء الصراعات والنزاعات الإقليمية القائمة، عن طريق التفاوض، والتسويات السلمية، وبما يتلاءم مع الأهداف المطلوبة لدعم النظام الدولي الجديد، وبالأساس المصالح الاستراتيجية السياسية والاقتصادية العسكرية للولايات المتحدة، فإنّ استخدام القوّة العسكرية غير مستبعد في مسار-البراغماتية الأمريكية-حيث تبقى أمريكا القوّة الوحيدة التي لها الإرادة والقدرة على ممارسة العنف على مستوى كوني، وهذا ما انعكس بوضوح في-بنما-على مستوى ضيق، وعلى نطاق واسع في حرب الخليج، وبشكل مرعب في أفغانستان، وذلك باعتماد أسلوب التماهي والتطابق بين الشرعية الدولية ممثلة في الهيئات والمؤسسات الدولية الواقعة في إطار الأمم المتحدة، وبين الإرادة السياسية الأمريكية التي تهيمن هيمنة كاملة على هذه الهيئات والمؤسسات، وقد تجلى هذا بشكل واضح في القرارات التي صدرت عن الهيئات باسم الشرعية الدولية خلال وبعد حرب الخليج، وخاصة فيما يتعلّق باستمرار فرض الحصار على العراق وتدمير أسلحته الإستراتيجية والتدخّل السافر في شؤونه الداخلية، وبإلغاء القرار 3379 الذي يعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية، وهكذا فإنّ النظام الدولي الجديد ومن خلال ما يشهده العالم من تداعيات مؤلمة يظهر واضحا بأنّه غير قائم على توازن المصالح ولا على أولوية القضايا الأساسية أو الوفاق والسلام والعدل الدوليين بقدر ما هو نظام قائم على الإخضاع والسيطرة، إخضاع الشعوب والقوى المخالفة، أو الرافضة للسيطرة الأمريكية على النطاق الكوني، وهو شكل جديد للنظام الاستعماري القديم.
العالم العربي على محك الاختبار التاريخي: خلف دخان الدمار الذي تركته حرب الخليج، تجلّت المسافة الأيديولوجية والنفسية والسياسية بين الغرب، بمختلف آلياته، والعرب بما لا يدع مجالا للشك أنّ الغرب لا يهدر فرص الانقضاض على المبادرات العربية في اتجاه التقدّم والوحدة، وإجهاض سيرورتها، وفي كل مرّة يحاول بعض العرب ردم الهوّة بينهم وبين الغرب من خلال إيجاد صيغة للحوار تستنهض العناصر العدائية-هنا وهناك-آلاتها الهجومية العسكرية والإعلامية لتكريس التباعد والتنابذ، وما حرب الخليج إلا تتويج درامي للصراع الحضاري، المبطن والسافر، بين العرب والغرب. ومن هنا ندرك أنّ الوطن العربي برمته يشكّل في جوهره منطقة حساسة، بالنسبة لأمريكا وإسرائيل وحلفائهما الذين ما فتئوا يهددون أمن هذه المنطقة ويخرقون مجالها الحيوي ويتدخلون بشكل سافر في شؤونها الداخلية..
إنّ صانعي القرار السياسي في الإدارة الأمريكية واعون كل الوعي بطبيعة وأهمية المقاومات التي قد تعترض مشروعهم الهادف إلى توجيه العالم عن طريق السوق، وخلافا لكل الشعارات الخلاّبة-للنظام العالمي الجديد الذي ينتصر للقانون والعدالة، ولجت الولايات المتحدة مرحلتها الجديدة عن طريق الحرب بغية إظهار:
-أنّ النظام الجديد-فرض-وسيفرض على شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بالعنف، وبالعنف وحده، مع التهديد بالإبادة الجماعية في نهاية المطاف بما يعني أنّ أي بلد من البلدان «السائرة في طريق النمو» فكّر في تصنيع نفسه وتقويتها اقتصاديا وتكنولوجيا أو حاول وضع القطيعة مع الاستعمار الجـديد وفك الارتباط مع الدول المصنعة والخروج عن طاعة سلطة الشركات الاحتكارية الكبرى وسلطة حكّام الـدول الرأسمالية، عليه أن يأخذ بعين الاعتبار أنّه سيلقى المصير الذي لقيه العراق..
-إنّ الإتحاد السوفياتي(سابقا) فقد مصداقيته العسكرية، وفسح المجال للولايات المتحدة الأمريكية لتبرهن بقوة على تفوقها الحربي.
ـ إنّ أوروبا واليابان، رغم تقدمهما الملحوظ على مستوى المنافسة الاقتصادية والمالية، مرتهنتان للهيمنة العسكرية الأمريكية الأمر الذي يعني أنّ حرب الخليج كانت حربـا كونية واجه فيها الشمال الذي تقوده واشنطن بعـد أن أدخلت كل من اليابان وأوروبا بيت الطـاعة الجنوب.
ومن هنا أصبح الأمر يستلزم فهما دقيقا واستشرافا موضوعيا لتحولات العالم المعاصر، عالمنا، وهو إشكال، مرهون بمدى استعداد الأنظمة العربية لانتهاج درب الانفتاح الديمقراطي والتكامل الاقتصادي العربي، ومرهون كذلك بدور القوى الشعبية الديمقراطية والاشتراكية في إعادة تجديد وبناء فكرها وبرامجها وسياساتها وأدواتها، وبمدى مقدرتها على قيادة نضال الطبقات الشعبية العربية صاحبة المصلحة الأساسية في التقدّم والرقيّ..
محمد المحسن
كاتب وصحافي تونسي
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :