ليلة القبض على السراي: ميقاتي يستيقظ على الخديعة ويحمل الدليل

ليلة القبض على السراي: ميقاتي يستيقظ على الخديعة ويحمل الدليل

نجيب ميقاتي لم يخسر رئاسة الحكومة بالصدفة… بل استيقظ على خديعة مدروسة نفذها «أبو عمر»، حيث تحوّل ما كان يُعدّ مئة صوت إلى صوت واحد حاسم، لتكشف اللعبة السياسية اللبنانية عن وجهها الحقيقي: السلطة تُدار بالمفتاح لا بالنص.

 

Telegram

كتب رشيد حاطوم

رئيس تحرير موقع "iconnews"

 

السيادة الهشّة: حين تتفكك الدولة ويُدار الحكم بالإنكار

 دولة تتآكل وخطاب يعيش خارج الواقع

لم يعد الانهيار في لبنان حدثاً طارئاً أو أزمة عابرة، بل تحوّل إلى حالة بنيوية شاملة. الدولة تتفكك على كل المستويات: مؤسسات مشلولة، اقتصاد منهار، إدارة عامة بلا قرار، وقضاء يُستدعى عند الحاجة ويُعطَّل عند الخطر. في المقابل، تقف الطبقة السياسية في مكان آخر تماماً، تتحدّث عن بناء الدولة، فيما تمارس، بلا تردّد، كل ما يُسهم في تهشيمها.

بين شعب تُرك وحيداً في مواجهة الانهيار، وطبقة سياسية تجاهر بالسيادة لفظاً وتمارس الارتهان فعلاً، يتكشّف الانفصام العميق بين الخطاب والممارسة. وفي هذا السياق، لم تأتِ قضية «أبو عمر» كحادثة معزولة، بل ككاشف فجّ لطبيعة الحكم في لبنان، حيث تُدار السلطة بالإنكار، وتُبرَّر التبعية بتغيير التسميات.

 

إنكار جماعي… واعترافات فردية

رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع نفى أي علاقة له بالمدعو «أبو عمر»، قبل أن يعترف لاحقاً بدفع أموال، واصفاً إياها بأنها «مساعدة إنسانية حنونة لأهل عكار».
الرئيس الأسبق فؤاد السنيورة نفى بدوره أي صلة، قبل أن تكشف النائبة بهية الحريري أن «أبو عمر» تواصل معها عبر هاتف السنيورة نفسه.
أما النائب فؤاد مخزومي، فأنكر دفع أي أموال، ثم عاد وأقرّ بها، ولكن تحت عنوان «مساعدة صحية».

الجامع بين هذه الحالات ليس الدفع بحد ذاته، بل آلية واحدة تتكرّر: "إنكار، ثم اعتراف، ثم تبرير أخلاقي يُفرغ الفعل من مضمونه السياسي". وهنا، لا تُطرح اتهامات قضائية، بل تُسجَّل تناقضات موثّقة بتصريحات أصحابها أنفسهم.

 

الاعتدال الوطني: كتلة سقطت عند أول كشف

نواب «كتلة الاعتدال الوطني» نفوا تلقيهم أي أوامر من «أبو عمر» لانتخاب نواف سلام رئيساً للحكومة. غير أن تصريحات النواب محمد سليمان ووليد البعريني وأحمد الخير، وما رافقها من معطيات، أكدت أن القرار لم يكن نتاج قناعة مستقلة.

الأهم أن هذه الكتلة كانت من "الداعمين الأساسيين للرئيس نجيب ميقاتي"، قبل أن تتفكك سياسياً مع انكشاف خديعة «أبو عمر». ما سقط هنا لم يكن مجرد تموضع سياسي، بل "وهم الاعتدال نفسه"، وتبيّن أن القرار لم يكن نابعاً من استقلالية، بل من التزام بإشارة خارج السياق الدستوري الطبيعي.

 

دار الفتوى والأسئلة التي لا تُجاب

حتى دار الفتوى، التي نفت أي علاقة لها بـ«أبو عمر»، وجدت نفسها في دائرة التساؤل، بعدما أكدت وقائع أن الرجل لعب دوراً في التأثير على قرار التمديد لمفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، علماً أن الشيخ عريمط شغل سابقاً أرفع المناصب داخل الدار.

المسألة هنا لا تُطرح كاتهام مباشر، بل كسؤال سيادي وأخلاقي:
كيف تتقاطع قرارات دينية عليا مع أدوار شخصيات بلا صفة رسمية؟

 

غياب الحريري… وفتح الساحة السنّية

لا يمكن عزل هذا المشهد عن حقيقة أساسية: "غياب الرئيس سعد الحريري عن الحياة السياسية أفسح المجال أمام مدّ اليد على المكوّن السنّي، وتحويله إلى ساحة مفتوحة للضغط والتجريب والتوظيف"، في ظل غياب مرجعية قادرة على ضبط الإيقاع السياسي ومنع العبث.

 

حين تصبح الحُجّة بيد من أُقصي

ما بعد قضية «أبو عمر» ليس كما قبلها. فالرئيس نجيب ميقاتي، الذي أُقصي عن رئاسة الحكومة في لحظة سياسية ملتبسة، بات اليوم يمتلك ما هو أخطر من الموقف السياسي: "بات يمتلك الحُجّة".
حُجّة تستند إلى وقائع واعترافات علنية تُظهر أن مسار التكليف لم يكن نتاج توازنات دستورية طبيعية، بل نتيجة ضغوط مورست عبر قنوات غير رسمية، وبوسائط لا تمتّ بصلة إلى الآليات الدستورية المشروعة.

وبحسب مرجع دستوري بارز، فإن ما جرى «لا يقتصر على كونه إشكالية سياسية، بل يفتح نقاشاً دستورياً غير مسبوق حول سلامة مسار التكليف نفسه»، معتبراً أن "التأثير المنظّم على إرادة النواب، إذا ثبت، يضرب جوهر الاستشارات النيابية الملزمة"، حتى في غياب سابقة مماثلة في الاجتهاد اللبناني. ويضيف المرجع أن الدستور، وإن بدا صامتاً في النص، إلا أنه «واسع في روحه»، ما يسمح بفتح باب النقاش القانوني، ولو بقيت مفاعيله سياسية أكثر منها إجرائية.

 

في لبنان، لا تُهدم الدولة بضربة واحدة، بل تُستنزف بالإنكار، وبالتناقض، وبالتواطؤ الصامت.
قضية «أبو عمر» لم تكشف شخصاً واحداً، بل كشفت "نظاماً كاملاً يدير الحكم بالمسارات لا بالنصوص، وبالإشارات لا بالمؤسسات".

لم يعد السؤال: من أنكر ومن اعترف؟
بل: من يملك القرار… ومن يُطلب منه دائماً أن ينكر؟

 

في لبنان، لا يُنتزع الحكم بالدبابات،
بل بالمفاتيح.
ولا يُزوَّر بالقرارات،
بل بالمسارات.

وحين يمتلك من أُقصي الحُجّة،
ويعرف الجميع من يملك المفتاح،
تصبح الدولة تفصيلاً،
وتتحوّل السيادة إلى امتحان
لا يُسمح للجميع بتقديمه.

 

 

في بلادٍ يُكبَّل فيها الأسد بيد الثعلب، ويفكه الحمار بعدها يقاد إلى المحاكمة…يجب مغادرته
لا تُقام دولة، بل تُقام مهزلة.
في التراث العربي، الأسد يرمز للقوة الشرعية، الثعلب للمكر، والحمار للضعف أو العجز. وعندما تنقلب الموازين بهذا الشكل، يصبح الخلل بنيوياً لا إصلاحياً، والخيار العقلاني الوحيد أحياناً هو المغادرة.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram