دخل العام الجديد أيامه الأولى، والقضية الفلسطينية تمرّ بأكثر مراحلها تعقيداً وأدقّ محطاتها، فمنذ معركة طوفان الأقصى والحرب الإسرائيلية على غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023، توسّع الصراع مع العدو الإسرائيلي، وعلى إثره أدركت أطراف الصراع أنّ المنطق فرض نفسه في نهاية المطاف، فبدت المنطقة لا تقبل القسمة على اثنين، وشعر الجميع أنه أمام خطر وجودي.
فالطوفان جرف معه أوهام الماضي، وأحلام المستقبل، فلا سلام ولا تسوية ولا تطبيع، وأعاد الطوفان الأطراف كافة إلى الواقع كما هو؛ صراع، واشتباك، ومعركة مفتوحة بلا حسم.
شكّلت حرب الإبادة الجماعية على غزة تحدّياً هائلاً أمام الشعب الفلسطيني، وتحوّلت مخاوف التهجير القسري من مجرّد هواجس وظنون، إلى إجراءات وسياسات لا تخطئها العين المجرّدة، وترافقت عناصر الإبادة والتدمير والحرب النفسية الممنهجة، مع تصريحات وقرارات وخطوات إدارية ودبلوماسية، وتنسيق مواقف واتصالات سرية وعلنية مع أطراف دولية.
كان التوصّل لاتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، أبرز تطوّر منذ الحرب الإسرائيلية على غزة، ومع دخول العام 2026 لا يزال الاتفاق صامداً، على غير رغبة الحكومة الإسرائيلية، وغلاة اليمين الفاشي الإسرائيلي، كما أنجزت المرحلة الأولى منه، تمهيداً لبدء المرحلة الثانية، ويعود النجاح في التوصّل إلى الاتفاق وصموده حتى الآن، لعدد من العوامل، منها:
– مزيج من الدبلوماسية الفلسطينية والعربية والإسلامية الجماعية المدركة للتحدّي الوجودي لفلسطين أرضاً وشعباً، والخطر المحدق على الأمن القومي العربي والإسلامي، في حال استمرت الحرب بالوتيرة ومنهجية التدمير والإبادة نفسها.
– خشية الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي من فقدان كامل للسيطرة على السياسات الإسرائيلية العدوانية المنفلتة دونما كابح أو رادع وتداعياتها على الاستقرار العالمي.
– الصمود الأسطوري الفلسطيني في غزة، والفشل الإسرائيلي في حسم المعركة عسكرياً على غزة، وتحقيق النصر المطلق، على الرغم من منح الحكومة الإسرائيلية الأدوات العسكرية والدبلوماسية والمالية كافة، لمدة زمنية تخطّت العامين.
على الرغم من تراجع خطري الإبادة والتهجير، كتهديدين وجوديّين للشعب الفلسطيني، بيد أنهما ما زالا على أجندة الحكومة الإسرائيلية، وذلك لعدة أسباب منها:
– معارضة حزبي الصهيونية الدينية والقوة اليهودية الانتقال إلى المرحلة الثانية، ومساعي بنيامين نتنياهو لاستكمال مدة حكومته القانونية نهاية العام الحالي، الأمر الذي يجعل احتمالية العودة إلى الحرب واردة، من خلال ادّعاءات تجيدها “إسرائيل” في اتهام المقاومة بخرق الاتفاق.
– ربط الحكومة الإسرائيلية التقدّم في المرحلة الثانية بنزع سلاح المقاومة، الأمر الذي يفتح الباب للعودة إلى الحرب بهدف نزع السلاح الفلسطيني، بحجّة رفض الأخير نزع سلاحه، وفي ضوء التصريحات الإسرائيلية المتكرّرة، بأنّ نزع السلاح إن لم ينفّذ بالطريقة السهلة سيتمّ بالطريقة الصعبة “الحرب”.
ومع تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة التي أعقبت اللقاء مع نتنياهو، والتي توعّد فيها المقاومة بالجحيم مجدداً، في حال عدم تسليم سلاحها، تظهر قضية السلاح الفلسطيني الذريعة التي سيلجأ إليها نتنياهو للعودة إلى الحرب في حال لم تنجح الدبلوماسية الفلسطينية والعربية والإسلامية مرة أخرى في طرح حلول مرضية، تترك المجال لكلّ طرف ليعرض سرديته الخاصة حول السلاح…
– تعتبر سنة 2026 حاسمة بالنسبة لبنيامين نتنياهو شخصياً، واليمين المتحالف معه، كونها سنة انتخابات، والصراع على كسب القاعدة الانتخابية اليمينية تفتح شهية الائتلاف الحكومي الإسرائيلي لتسخين جبهات المواجهة، ومنها الجبهة الفلسطينية.
– دعّم الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال توجّهات “إسرائيل” التي كشفت سابقاً أنّ “دولاً” مرشّحة لاستقبال المهجّرين الفلسطينيين، منها أرض الصومال، ما ترك انطباعاً بأنّ الاعتراف الإسرائيلي الاستثنائي بها قد يكون إحدى أثمانه استعدادٌ لاستقبال المهجّرين من غزة.
– تعثّر ملف الإعمار وتعمّد الحكومة الإسرائيلية ربط الملف بمسارات أخرى، كنزع السلاح، وبسط سيطرة مجلس السلام وقوات الاستقرار الدولية وحكومة المهنيين الفلسطينية على غزة.
الأمر الذي تسعى من خلاله الحكومة الإسرائيلية إلى بقاء الحالة الإنسانية والمعيشية في غزة صعبة وغير قابلة للحياة، بما يؤدّي إلى اضطرار الناس للخروج من غزة بعد فقدان الأمل في إعمار بيوتهم ومؤسساتهم التعليمية والصحية والبنية التحتية التي دمّرها الاحتلال.
يدرك الفلسطينيون أنّ التحدّي الإنساني واستخدامه كورقة مساومة من الاحتلال الإسرائيلي، وربط مسارات الإعمار والإغاثة والانسحاب التدريجي، بقضية نزع السلاح، سيكون من أخطر التحدّيات في العام الجديد.
وسيسعى الطرف الفلسطيني إلى جانب الدول الضامنة للاتفاق عبر الأدوات الدبلوماسية، إلى إجهاض النيّات الإسرائيلية بالعودة إلى حرب الإبادة واستئناف خطط التهجير المباشر عبر القتل والتدمير الممنهجين أو التهجير غير المباشر من خلال إعاقة الإعمار.
وسام أبو شمالة – الميادين
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :