بضع ملاحظات لا بدّ من الإدلاء بها أو تدوينها بعجالة، مع انتشار الخبر باعتداء الولايات المتحدة الأميركية على فنزويلا، ومن ثمّ إعلان الخبر باختطاف أو اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وعلى لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خضمّ التصعيد وتصاعد التوتر بين واشنطن وكاراكس خلال الآونة الأخيرة.
واجتاح الخبران الأول والثاني العالم والفضائيات العالمية طيلة الساعات الأخيرة كالنار في الهشيم. فما الذي يمكن قوله أو كتابته في قراءة أولى وأوليّة؟
سابقة تاريخية بامتياز
إنّ عملية الاختطاف للرئيس الفنزويلي، بهذه الطريقة المشهدية، وعلى هذا النحو غير المسبوق، منذ عدة عقود، بل منذ عدة قرون، هي سابقة، بكلّ معنى الكلمة، في تاريخ العلاقات الدولية، الحديث والمعاصر.
المسألة ليست بسيطة، ولا حتى عابرة. هي حادثة في غاية الخطورة. فلم يسبق أن تمّ اعتقال واختطاف رئيس دولة من قبل دولة أخرى، وأن يتمّ الإعلان من قبل رئيس الأخيرة عن ذلك من دون تردّد، ولا حتى خجل، من هذا العمل وهذا الفعل غير المبرّرين! هي بالتأكيد، تختلف كثيراً عن حوادث أو أحداث مماثلة أو مشابهة.
“قرصنة” دولية موصوفة
إنّ هذه الواقعة هي ليست فقط مجرّد حدث تاريخي غير مسبوق، وهو ليس عابراً بطبيعة الحال، بل إنها محطة تاريخية فارقة، لا يمكن أن تمرّ ببساطة وسهولة، أقلّه بميزان الرصد العلمي لمسار تطوّر الأحداث والأحوال والأوضاع الدولية، وبصرف النظر عن المواقف أو ردود الأفعال الدولية على هذه الحادثة، ولا سيما من قبل عواصم القرار والنفوذ الدوليّين. فهي عملية سطو مسلّح، بل أكثر من ذلك.
هي جريمة “قرصنة” دولية موصوفة، تقع داخل إحدى الدول السيدة والمستقلة، وهي من الدول الأعضاء بهيئة الأمم المتحدة، وليس في نطاق المجال الدولي أو الحقل الدولي، بل داخل النطاق الإقليمي للسيادة الوطنية للدولة المعنية، في إشارة إلى فنزويلا.
سقوط القانون الدولي
كان العالم خارج نطاق القانون الدولي، في الآونة الأخيرة ومنذ فترة لا بأس بها من الزمن على الأقلّ. لقد سقط القانون الدولي، أكثر من مرة ومرات عديدة، مع غلبة منطق القوة، وكذلك رجحان حقّ القوة على قوة الحقّ في الميزان، مع العلم أنّ القانون الدولي، في الأساس، هو قانون القوي أو قانون الأقوياء.
التاريخ يشهد على ذلك. فمن يضع القانون الدولي، ثم يقوم بفرضه، هو القوي أو المنتصر في الحرب. لكنّ الجديد واللافت، هذه المرة، أنّ القوي والمنتصر هو الذي يضرب عرض الحائط، عن عمد وعن قصد، القانون الدولي، بهذه الطريقة الدامغة والسافرة والفاضحة!
سقوط النظام الدولي
أما بعد سقوط القانون الدولي، لانتهاكه بكثرة تجاوزه ومخالفته، ها هو العالم اليوم أصبح أيضاً خارج نطاق النظام الدولي! هذا التوصيف السياسي والقانوني ينطبق على مثل هذه اللحظة التاريخية. فالنظام الدولي برمّته، والذي تمتد جذوره التاريخية إلى الوراء عقوداً وقروناً عديدة، قد سقط هو أيضاً بالضربة القاضية، سواء كان المقصود النظام الدولي الحديث الذي برز في أعقاب مؤتمر وستفاليا سنة 1648.
الذي يقوم على أساس احترام مبدأ السيادة الوطنية للدولة الوطنية، وكذلك احترام مبدأ عدم التدخّل الخارجي أو الأجنبي في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، أو كان المقصود النظام الدولي المعاصر الذي انبثق عن الحرب العالمية الثانية سنة 1945، ثم تكرّس وترسّخ بعد الحرب الباردة سنة 1989.
التفلّت في السلوكيّات الدولية
هذه الملاحظة هي جديدة من نوعها في تاريخ العلاقات الدولية. فقد شاهدنا سابقاً، من منظار المراقبة العلمية، الكثير من التصرّفات أو الأفعال أو الأعمال أو الممارسات الدولية، العدائية أو العدوانية، العنفية أو الحربية، والإجرامية أو حتى الإرهابية، أو لنقل غير المنضبطة، وإنما المتفلتة من المبادئ والقواعد والمعايير والضوابط الدولية بالحد الأدنى.
وكان ذلك بطور الثنائية القطبية، كما بطور التعددية القطبية، على حد سواء.
ولكن هذا النمط السلوكي يبدو، في هذه المرة بالتحديد، أكثر من فاضح وصارخ وممجوج. فثمّة من قام بارتكاب هذا الفعل أو العمل الفظيع والشنيع، غير آبه بكلّ من النظام الدولي والقانون الدولي، ثم أقرّ أو اعترف بفعلته، وبنى عليها آثاراً ومترتّبات ومفاعيل “قانونية”، من اغتصاب الشرعيّة السياسية في كاراكس إلى المحاكمة القضائية في واشنطن!
إشكالية الحصانة الدولية
الأسوأ والأخطر من كلّ ذلك، وإضافة إلى انتهاك مبدأ السيادة الوطنية ومبدأ عدم التدخّل الخارجي أو الأجنبي في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وكذلك الإطاحة بالقانون الدولي والنظام الدولي، إنما هو التعرّض لمبدأ الحصانة الدولية، في خطوة غير شرعيّة وغير مشروعة، بالنظر إلى أنّ العملية الأمنية والعسكرية المركّبة تطال شخصية سياسية، هي رفيعة المستوى، بل الأرفع في بلدها.
وعلى رأس الحكم والسلطة، وفي موقع المسؤولية الرسمية، كرئيس هو شرعيّ ودستوريّ، بوصفه ولكونه منتخباً، لدولة هي سيدة ومستقلة، من قبل دولة أجنبية، بينما يُفترض أن يتمتع رئيس الدولة ـــــ أية دولة ـــــ بالحصانة الدولية، أو بالأحرى الحصانة الدبلوماسية، كما رئيس البرلمان ورئيس الحكومة، وذلك بحسب القانون الدولي الدبلوماسي ونظام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية والقنصلية في العلاقات الدبلوماسية والقنصلية!
حالة الفوضى الدولية
مما لا شكّ فيه أنّ المجال الدولي يقع، مؤخراً وراهناً، في وضعيّة حرجة ودقيقة، وهي مركّبة ومعقّدة أيضاً، قوامها، أو مفادها ومؤدّاها، الكثير من الاضطراب والتخبّط والإرباك والارتباك والضياع والتيه، بعد كلّ التفلّت والتصدّع والتشظّي في منظومة القانون الدولي وماهية النظام الدولي ومبانيه ومؤسساته وآليات عمله ومرجعية المنظمات الدولية.
ومن هنا، يمكننا الدفع بأنّ العالم، الذي أقلع من حيّز الثنائية القطبية، ومن بعدها غادر حيّز الأحادية القطبية، ولم يبلغ بعد عتبة وخانة التعدّدية القطبية، إنما يشهد حالة من الفوضى الدولية العارمة، وربما يدخل، قريباً أو لاحقاً، في حرب دولية، وإن كانت بدأت، بتفاقم الصراعات والنزاعات الدولية، فهي لا تزال مقيّدة، وليست مفتوحة، حتى تاريخه وحتى إشعار آخر.
هي قد تكون من اللحظات السياسية الأكثر خطورة على امتداد تاريخ العلاقات الدولية، ولا سيما الحقبة المعاصرة، أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى حينه. والحادثة هي حتماً وقطعاً أكثر خطورة مما قد يعتقده البعض من هنا وهناك من الفاعلين والناشطين والمراقبين والمحلّلين.
فنحن نشهد سقوط وانهيار العديد بل الكثير من الأسس، المبادئ، القواعد، المحدّدات، المعايير، الأحكام، الضوابط، السمات، المفاهيم والنظريات بمنظومة العلاقات الدولية.
وهو الأمر الذي لا يمكن أن يقع سوى في اللحظات المفصلية والمصيرية، الحاسمة والفارقة، بين ما هو قبلها وما هو بعدها. فماذا بعد؟
غسان ملحم – الميادين
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :